اليوم العالمي للغة العربية يذكرنا دوما بعلو مكانة لغتنا في الادب والاخلاق !

* د، رضا العطار

قبل نحو ثلاثة ملايين من السنين كنا نحن البشر والقرود سواء لمًا ننفصل منها بميزاتنا للبشرية الحاضرة – – اعظم هذه الميزات هو نعمة العقل، الذي وهبه الله للبشر، واعظم ما كان يعمل لتكبير هذا العقل هواننا انتصبنا على اقدامنا، فصرنا نحمل هذا الراس الثقيل حملا عموديا لا يرهقنا بثقله.

والعقل اداة التفكير. ولكن التفكير ليس سوى المعاني التي تعيًنها لنا الكلمات. ولذلك كان تطور الانسان اللغوي وسيلة الى ارتقاء العقل. والفرق الاصيل بيننا وبين الحيوان لا يزال فرقا لغويا قبل كل شيء. نحن ننطق ونربط المعاني بالكلمات، وهو لا ينطق وليس له سوى تلك المعاني الساذجة التي يحصل عليها بمجهوده دون ان يتلقى تراث الاباء كما نفعل نحن. وكلمات اللغة التي تنطق بها الأمة هي في النهاية افكارها واخلاقها وعقائدها. فسلوكنا اللغوي هو لهذا السبب، سلوكنا الاخلاقيوالاجتماعي. ونحن نرث من الكلمات الحسنة او السيئة ما يرفع اخلاقنا وينفعنا او ما يضرنا ويحطنا .

لقد ظهر في اوربا علم جديد يسمى (السينمائية). وهذه الكلمة مشتقة من الكلمة الاغريقية القديمة (سيما) ومعناها علامة، ومن ذلك قولنا سيماهم في وجوههم، اي علامتهم. ومن ذلك ايضا (سيمافور) اي حاملة العلامةفي السكك الحديدية. يتناول هذا العلم بحث الكلمات من حيث معانيها التي تتغير بتغير الزمان والمكان وايضا اثرها الاجتماعي والسيكولوجي، ونحن في حاجة الى ان نفهم اللغة العربية من هذه النواحي جميعها.

يقول المؤلف الفرنسي (لاروشفو كول)، مات عام 1680 (هناك اناس ما كان احدهم ليحب لو انه لم يكن قد سمع عن الحب) – – وهو يقصد من قوله الى ان كلمات الحب هي التي تصوغ الاخلاق الاجتماعية، فاذا كانت الكلمات رومانسية تنزع الى الخيال، فان المحب يتخذ عند الشاب والفتاة هذا اللون من السلوك. واذا كانت عامية فجًة فسيولوجية تناسلية، فان المحب يتخذ سلوكا آخر. ولذلك نجد ان طالبا في كلية الاداب يحب ويشتهي الجنس الآخر وينهج في سلوكه الجنسي على غير ما ينهجه الحمًال او البطال او بائع الخضر. لان لهؤلاء لغة مؤلفة من كلمات لا يستعملها ذلك الطالب. ولذلك اختلفت معاني الحب واسلوب ممارسته بينهما.

اعتبر كلمات الطبيب للاعضاء التناسلية وكلمات الحشاش لهذه الاعضاء نفسها، فان الاول يذكرها دون ان يثير في نفسه اي عاطفة. ذلك لانه تلقاها على المشرحة او في قاعة المحاضرة بالجامعة من استاذ يتحدث بلهجةعلمية موضوعية، اما الثاني فقد تلقى كلماته وهو في غمرة الحشيش الذي عطل الجزء الاعلى من عقله فانطلق الجزء الاسفل الذي تتحرك به العواطف البدائية.

واذا كان تراثنا من كلمات الفحش، اي كلمات هذا الحشاش، كثيرة، فان سلوكنا ايضا يفحش في المجتمع، ويحط من مستواه – – – ان الطبيب الذي اشرنا اليه يسلك مع زوجته سلوكا جنسيا يختلف عن سلوك الحشاش مع زوجته. ومرجع ذلك، ان الكلمات التي يستعملها كل منهما في الحديث عن هذا الموضوع مختلفة – – – وهناك كلمات تعد كنوزا يجب ان تدخرها الأمًة لانها قدوة للخير والشرف.

اعتبر مثلا كلمة (المروءة) في لغتنا. فان هناك ألوفا من افراد الشعب ما كان احدهم يمارس هذه الفضيلة لو ان هذه الكلمة لم تكن في لغتنا. اذ هي قد عينت سلوكنا اجتماعيا راقيا ينبه الفرد الى قيمة البر والتعاون. او اعتبر ايضا ما يقابل هذا من كلمة (عورة) للاعضاء التناسلية. فان هذه الكلمة توحي بالنجاسة والخسة والضعة للعلاقات الجنسية. اذ هي توهمنا ان ممارسة الحب ليس شيئا حسنا وانما هو فعل قبيح وان تجنبه خير من ممارسته، بل استطيع ان ازيد على هذا واقول : اننا نستقبح بلنستبقح الاعضاء التناسلية بسبب هذه الكلمة. والاجدر بنا ان نسميها اعضاء الخلود.

او اعتبر لفظة (سن اليأس) – – – فان المرأة عندما تبلغ الثامنة والاربعين، تنقطع عادتها الشهرية وتشرع في الكهولة، وليست هذه الكهولة شيخوخة ولا هي تنقص من جمالها النفسي بل لعلها تزيده، وكثير من النسوةيمتزن بقوة جاذبية كبيرة في هذه السن حتى من ناحية الجمال الجسمي. ولكن هذه العبارة تبعث اليأس في نفس المرأة وتفل نشاطها وتحملها على الاستكانة او الانزواء الاجتماعي، وقد تملأ راسها بعواطف سوداء من الغم الى الاسف الى الغيرة، وكان يجب ان يكون لنا تعبير آخر يصونكرامة المرأة في هذا السن.

يجب ان نعمل لرواج المفردات اللفظية الفاضلة المستعملة بين الزوجين، حيث انهما القدوة الصالحة والضوء المنير للجيل الجديد، فلا ينبغي ان يغيب عن البال ما في السنوات الخمسة الاولى من التربية الاسرية علىمستقبل الابناء من تأثير عظيم. الكلمات التي تحمل قيم اخلاقية ثقافية راقية، كالاخاء والمساواة والحرية والديمقراطية وحب الوطن، كما نعمل على تجنب الكلمات التي تحمل المعاني المبتذلة والعلامات الضارة، كذلك يجب تجنب الكلمات الغريبة المشوشة التي تربك العقل وتبلبلالفهم، فليس من الصلاح ان ننغمس في ممارسة طقوس الدين ونتناسى تطبيق المفردات اللفظية الفاضلة التي ينادي بها الدين. !

* مقتبس بتصرف من كتاب (محاولات) للموسوعي سلامة موسى .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close