لعنوا التوافقية… وعادوا لها

صبحي ساله يي

خلال السنوات الثمانية المنصرمة، أي في ظل حكومة العبادي وولاية المالكي الثانية، تم إشغالالعراقيين بقضايا هامشية، وسياسات خلط الأوراق، وبث روح اليأس والتخبط والفوضى بين صفوفهم، وإرغامهم على الجلوس على أرصفة الإنتظار. وسمعنا الكثير من السياسيين، وبالذات الذين كانوا متوافقين فيما بينهم، ومازالوا متوافقين على تعزيز نفوذهم وتحقيق مآربهم الخاصة، وهميعلقون فشلهم وإخفاقاتهم على شماعة التوافق والديمقراطية التوافقية، وعملوا جاهدين على الدفع ببراءتهم من الإنهيارات المروّعة في جميع مجرلات الحياة، وإستمروا على نهج كيل الإتهامات وحملات التشويه الإعلامي الإنفعالي دون الإلتفات الى مصائب إنعدام الثقة بينهم كسياسيينينتمون الى حزب أو تيار واحد أو بينهم وبين القوى السياسية الأخرى أو حتى بين المكونات الرئيسية، ودون التعلم من المحن والفواجع الكثيرة التي كانت قابلة للتجاوز بأقل الخسائر المادية والبشرية.

دعوا الى الأغلبية ولعنوا وشتموا التوافقية وهم يعلمون أن التوافق والنظرية الديمقراطية التوافقيةبشكلها العام، النموذج الأمثل للحكم في مجتمع متعدد يطبعه الانقسام المجتمعي والتباينات القومية والمذهبية والطائفية، ويعاني من ضعف وحدته الوطنية ومن هشاشة الاستقرار السياسي وعسر ديمومته، ناهيك عن تواتر موجات العنف الاجتماعي وما لديه من مشكلات. هاجموها دون التسليمبأن عملية تطبيقها، كأي عملية تطبيق أخرى، قد تترافق مع بعض النواقص والسلبيات، وقد لاتتلاءم (أحياناً) مع خصائص وسمات وبنى سياسية معينة. لعنوها لأنهم كانوا متأكيدن من أنها تمنعهم من الوصاية على الحكومة الجديدة وأخذالجمل بما حمل، ولا تقبل على الإطلاق وصايتهم على أفكار ومعتقدات الآخرين، وبما فعلوه في الماضي القريب، وبما يريدون أن يفعلوه لاحقاً خارج فضاء المواطنة، ولاتقبل فرض إجتهاداتهم وممارساتهم المدمنة على تصنيف الأمور وفق منطلقات نظرية لايمكن تطبيقها على أرضالواقع، ومصادرة حقوق الآخرين في المساهمة في تمشية أمور البلاد.

خلال الحملات الإنتخابية البرلمانية التي جرت في آيار الماضي، نسوا معاناة العراقيين جراء العنادالأجوف لبعضهم، فأعادوا موضة الهجوم على التوافقية الى الواجهة من خلال وسائل الإعلام وثنايا التصريحات التي كانت تصدر لغايات مختلفة، والبيانات المتناغمة مع الإملاءات الشخصية والحزبية والمناورات التي كانت تطبخ في الكواليس.

بعد إجراء الإنتخابات وإعلان النتائج وعقد العشرات أو المئات من الإجتماعات، ومن أجل تفادي الفراغ الدستوري، عادوا الى التوافقية. وإتفقوا، وقلوبهم شتى، على عادل عبد المهدي لتكليفه بتشكيل حكومة وفاقية، بعضهم، وبالذات الذين يمتلكون التحصينات التي تعزز مواضعهم، قبلوا به لإدارة جلسات مجلسالوزراء، دون أن يتصرف بالصلاحيات الدستورية التي يسمح له هذا الموقع بممارستها، ويتحكم به وزرائهم الذين يتم تمريرهم بأسماء مختلفة. ولم يعلموا أن عبدالمهدي لا يقبل تقييدصلاحياته ووضع اليد على حكومته، ولا يقبل البقاء في السلطة على غرار بقاء فؤاد معصوم في رئاسة الجمهورية وسليم الجبوري في رئاسة البرلمان خلال السنوات الأربعة الماضية، لأن لديه نظرة مختلفة لما عند الكثيرين ويمتلك شخصية مستقلة، ويرفض تعميق الجروح التي يعاني منهاالعراق بكلّ قومياته وطوائفه وجعله أسيراً لدى هذا السفير أو ذاك.

ومن هذا المنطلق، ولتبسيط الأمور ولو قليلا، ومن أجل فهم الوضع العراقي وأسباب تعقيداته، بما في ذلك صعوبة تكملة تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة عادل عبد المهدي، ومنعه من التقاطأنفاسه، يمكن وصف الذين هاجموا الديمقراطية التوافقية، وحسبوها سبباً لكل شاردة وواردة سلبية في الحياة العراقية، وحملوها مسؤولية الذئب عن دم يوسف، بأناس يمقتون الديمقراطيةبكل صيغها وتطبيقاتها. ولا همَّ لهم غير كشف عثراتها وتضخيمها وتشويه منجزاتها. وأن عادل عبد المهدي ( وهذا ليس دفاع عنه) والجزء المتشكل من حكومته، حتى الآن، بريء من الأزمات لأنها دخيلة عليه. وإنه سيقاوم كلّ الأزمات السياسية والدستوريةوالإقتصادية التي يعاني منها البلاد، وأنه يعرف الفارق الضخم بين وجود حكومة معقولة، أو حتى شبه معقولة، وبين حصول الفراغ الدستوري والقانوني. ويعرف عدم وجود طرف سياسي يستطيع تحمّل النتائج التي يمكن أن تترتب على الدخول في الفراغ، أو إدخال البلاد في نفق لا أفق فيه.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close