الشعب الثورة من جديد

د زهير الخويلدي

لماذا يريد الشعب الثورة من جديد؟ وما الذي لم يتحقق بعد من استحقاقاتها ومطالبها المشروعة؟

مضت ثمانية أعوام على واقعة اندلاع شرارة 17 ديسمبر بالأطلس الصغير المضادة للشمولية والظلم والفساد وبقيت أحلام الساخطين مؤجلة وظلت آمال العاطلين وانتظارات المنتفضينغير قابلة للتحقيق. الغريب أن مطلب الثورة ظل قائم الذات من طرف الجميع بعد أن كان من قبيل المستحيل التفكير فيه، الشعب يريد الثورة من جديد من أجل تصحيح المسار وكنس بقايا الاستبداد ومنظومة الفساد والإفساد، وجزء من النخبة يريد الثورة من أجل تدارك ما فاته من نفوذوإعادة التموقع في السلطة وافتكاك الحكم. لكن ما مشروعية مطالبة النخب الشعب بالثورة والإصرار على النزول إلى الشارع وممارسة الضغط على منظومة الحكم بغية الرحيل والاستقالة في ظل التداول السلمي على السلطة عن طريق الانتخابات؟

يزداد الصراع السياسي بين القوى المتنفذة في أجهزة السلطة ويزداد الشارع حيرة وتتصاعد الإضرابات وتتقلص المقدرة الشرائية للعائلة وتتضاءل موارد الأفراد وتتراجع الحظوظلدى الفئات الشابة في الفعل. في حين يبحث الماسكون بزمام الحكم عن الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي ويفتشوا عن طرق تأمين استمرارية الدولة والإيفاء بالتعهدات المالية تجاه القوى المانحة والالتزام بالاتفاقات المبرمة مع الدول الأجنبية، في المقابل تتجه المعارضةالبرلمانية والمنظمات المهنية إلى التصعيد وتنادي بالقيام بالثورة في ظل وضع اجتماعي قاسي وحالة من الانغلاق والإحباط التي تنتشر وسط الشباب والفئات المهمشة من المعطلين. والحق أن القوى اليمينية تتحمل مسؤولية كبيرة على تردي الأوضاع بسبب الخيارات الموغلة في التبعيةوالاستناد إلى القوى الغربية والإفراط في تصدير الأزمة نحو الشعب وفرض الضرائب المجحفة على الموظفين والأجراء دون أن تكون لهم العائدات المالية الكافية لدفعها والالتزام بها، لكن دور القوى المعارضة كان الاكتفاء بالتعطيل والتشهير وتبادل أدوار التحالف والتنسيق معدوائر الدولة الخفية وبقيت منقسمة على نفسها وتعاني من التشتت وتقدم تناقضات ثانوية شكلية على تناقضات أساسية جذرية.

من يتحامل على الثورة في تونس يتواجدون في كل مكان من جسد الدولة ويتحكمون في كل شيء تقريبا ومن يستبسلون في الدفاع عن حقيقة الثورة في حالة تراجع مستمر وهرسلة شاملةولا يوجد تنظيم بينهم.

لقد أنهت هيئة الحقيقة والكرامة أعمالها دون أن تحقق رضا الجميع حول ما قامت به من استحقاقات في مسار العدالة الانتقالية ولم يعترف المذنبون بما اقترفوه من جرائم فيحق كل المجتمع ولم تقع مساءلتهم ومحاسبتهم بصورة علنية ولم يجاهروا بالحقيقة ويكشفوا الخفايا ولم يسترد المظلومون حقوقهم وكرامتهم.

لقد سئم الشعب من الوعود الانتخابية ومل من الانتظار وليس له من خيار سوى افتكاك سيادته على ذاته بنفسه وحسم المعركة مع البيروقراطية المقيتة والتكنوقراطية العاجزة علىالمبادرة والتعويل على طاقاته.

ليس الفقراء والشرائح المعوزة هي التي تحلم بالانتفاضة الحاسمة بل وكذلك يشاركهم في الحلم المثقفون والنقاد والسياسيون والحقوقيون الذي وجدوا أنفسهم بعد نضال طويل علىالهامش ودون اعتراف بهم.

من حق الشعب الموحد أن يريد من جديد الثورة في زمن الاحتفال بانطلاقتها على أمل استرداد الحقوق المهدورة والحريات المهددة ومن حق المعارضة أن تدفع إلى خيارات جذرية وترفضمنظومة الحكم برمتها ضمن لعبة سياسية لا تخضع لقواعد مضبوطة ولا تستجيب لمنطق معقول ورقابة مؤسسات دقيقة، ولكن المتضرر الأكبر من الانهيار الكبير هو الشعب والخاسر الأول من التصدع السياسي هو بنية الدولة وربما الضريبة التي قد يدفعها الجميع هو الركوب على الأحداثمن طرف فلول الالتفاف وزمرة الارتداد وضياع البوصلة عن القوى المناضلة وفوات الفرصة عن الكتلة التاريخية القادرة على بناء الدولة الثورية.

فمتى تتصالح النخب السياسية والمثقفة مع إرادة الشعب ومطالب الجمهور وتنخرط في الثورة الثقافية؟ ومن يشير إلى أن الثورة في تونس أصبحت فائض قيمة وتحولت إلى عملة صعبةيشيد بها العالم بأسره؟

كاتب فلسفي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close