كيف ان الحضارة العربية تأثرت بالأداب الفارسية قديما ؟ ! ح 3

(*) د. رضا العطار

معروف في التاريخ الاسلامي ان ابن المقفع كان اكبر ناشر ومروًج للقيم الكسروية، وانه كان من اهم المصادر التي نقل عنها المؤلفون في الاداب السلطانية والنوادر والاخبار، تلك القيم والايديولوجيا، حتى جعلوامنها قيما اخلاقية ودينية تكاد تعلو على اية قيمة اخرى.

وقد احتل ابن المقفع هذا الموقع ليس فقط بسبب كثرة ما كتب، ترجمة وتلخيصا وتأليفا، بل ايضا لانه استطاع ان يصوغ ذلك كله في اسلوب عربي اعتبر المثل الاعلى في البلاغة بعد القرآن، حتى انه لقب بأمير البلاغةالعربية،

فكانت نصوصه تتداول، ليس فقط من اجل مضمونها، بل ايضا من اجل اسلوبها، كانت تؤخذ كنماذج لتعليم (الانشاء)

فكانت القيم التي تحملها تتسرب الى الثقافة والفكر بهدوء وعلى غفلة من قارئها، فتتحول مع التكرار الى (حقائق) لا تناقش، الى افكار مسبقة ومعان متلقاة متوارثة.

تنسب الى ابن المقفع عدة كتب منها (كتاب تاريخ ملوك الفرس) و(كتاب العادات والقوانين) و(كتاب التاج) وهو في سيرة الملك انوشروان و(كتاب الدرة اليتيمة) في اخبار السادة، كما نُسب اليه ترجمة نصوص لارسطوفي المنطق، غير ان اشهر كتبه واصحها نسبة اليه، وهي اهم ما وصلنا، اربعة : كليلة ودمنة، والادب الكبير والادب الصغير ورسالة الصحابة.

ومع ان هذه الكتب قد عرفت وما زالت تعرف انتشارا واسعا في الثقافة العربية لكونها تجمع بين (ادب اللسان) و (أدب النفس) مما جعل منها مرجعا (خالدا) يرجع اليها متعلمو العربية والادباء والمولعون ب (الحكم) الخ.

فإن كتاب كليلة ودمنة كان اكثر انتشارا في جميع العصور حتى عصرنا هذا، فضلا عن انه ترجم الى كثير من اللغات القديمة والحديثة . . . فلنبدأ بهذا الكتاب (الخالد)

اما ان تكون اصول هذا الكتاب هندية فهذا ما لا مجال للشك فيه، فقد عثر المستشرقون في القرن الماضي على فصول منه في الكتب الهندية القديمة، لكن الترجمة العربية بقت وحدها المعتمدة، وفي مقدمتها يحكي ابنالمقفع قصة تأليف الكتاب اول مرة، واستقدامه من الهند الى بلاد فارس بأمر من كسرى انوشروان. ثم مدخل بقلم ابن المقفع عرض فيه لمضمون الكتاب واغراضه، ثم باب الفحص عن امر (دمنة) وباب الناسك والضيف وباب مالك الحزين والبطة، وباب الحمامة والثعلب.

لقد عرف الكتاب رواجا لا مثيل له في الثقافة العربية منذ ان ترجمه ابن المقفع وقدمه الى الخليفة العباسي المأمون.

غير ان من بقى حيا حاضرا يدرس ويستظهر، وتقتبس منه الحكم والامثال والقصص على لسان الحيوانات، ليس من اجل الحكمة والعبرة وحسب (الاخلاق) بل ايضا من اجل تطبيق قواعد النحو والصرف والبلاغة في دروس اللغةالعربية والادب. هو النص الذي كان عليه اسم ابن المقفع، كان الكتاب وما يزال كتابا مدرسيا، والى وقت قريب كان من النادر ان تجد متعلما في المدارس العربية الحديثة التقليدية والجامعات العصرية والدينية لم يتعلم فيه، علما ان الكتاب كان يدرس في المدارس المصرية منذعهد محمد علي الكبير.

وبعد، فلربما يلاحظ القارئ اننا قد اطنبنا في التعريف بكتاب معروف جدا، والحق اننا فعلنا ذلك لانه فعلا (معروف جدا) ومن وجهة نظرنا فهذا يعني انه كان منذ (عصر التدوين) المرجع الاول في تكوين العقل الاخلاقيالعربي.

الكتاب معروف فعلا، هذا امر لا حاجة الى تأكيده ولكن المعرفة بكتاب (كليلة ودمنة) عن طريق مطالعته او الدراسة عليه او السماع به شيء ومعرفة دوره في ترسيخ نظام معين للقيم في الكيان العربي، عقلا ووجدانا،شيء آخر. فلنصرف اهتمامنا الى ابراز هذا الدور.

عاصر عبد الله ابن المقفع العهد الاموي والعهد العباسي، كان ينشر موروثه الفارسي من الادب والاخلاق والعادات الاجتماعية واسلوب ادارة الدولة في الدولة العربية الاسلامية الواسعة منذ زمن الخليفة الامويهشام بن عبد الملك.

لم يكن ابن المقفع من عامة الشعب، بل كان من رجال الدولة وبالتحديد كان عضوا في تلك الفئة من الخاصة التي اطلق عليها ابن المقفع نفسه اسم صحابة السلطان. فكان صاحب جاه وصاحب كلمة.

لم يقتصر ابن المقفع على ترجمة القيم الكسروية والترويج لها في كتب عديدة باسلوب عربي (مبين) اعتبره بعضهم نموذجا في الكتابة. مماكرسه عبر العصور والاجيال مرجعا في (ادب النفس واللسان) بل لقد قام ابن المقفع ايضا بدور الخبير للدولة، دور المفتي في شؤون الادارة والحكم. وكان من الطبيعي ان تكون فتواه عبارة عن ايجاد السبل لتطبيق القيم الكسروية بقيمها ونظام ادارتها واسلوب حكمها. ذلك ما نقرأهبقلم ابن المقفع في (رسالة الصحابة) التي هي من اشهر مؤلفاته، وهي بمثابة تقرير توجيهي في السياسة والاخلاق قدمه للخليفة العباسي ابو جعفر المنصور، يقترح عليه جملة من الاجراءات العملية لبناء الدولة الفتية. و(الصحابة هنا) هم (صحابة السلطان) وهم الكتًاب، ولا شكان اطلاق ابن المقفع عليهم هذا الاسم كان لسببين : اولهما ظاهر وهو ان (الكُتًاب) هم بمثابة خبراء يصحبون السلطان. اما الغرض الثاني من تسمية هذه الرسالة بهذا الاسم، وهو الغرض الباطن، فهو توظيف مفهوم ديني

( ٌ الصحابة ٌ : صحابة النبي ) له وقعه ووزنه في حقل (التفكير و الخيال) الاسلامي، مما يضع (الخليفة) ابا جعفر المنصور في منزلة النبي (ص) . . . اما كُتًابه ـ ومعهم ابن المقفع ـ فهم في منزلة الصحابةالذين كان النبي يشاورهم ويأخذ برايهم، فهم (صحابة) لا بمعنى متصاحبين فحسب، بل هم (صحابة) بمعنى شركاء في الرأي والتدبير.

الحلقة التالية في الاسوع القادم !

* مقتبس من كتاب نقد العقل العربي ـ العقل الاخلاقي العربي، الطبعة السادسة، د. محمد عابد الجاري، دار النهضة، الحمراء، شارع البصرة، بيروت 2014

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close