مستقبل شرق الفرات بعد الانسحاب الأميركي

عدنان أحمد

22 ديسمبر 2018
طرح إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سحب قوات بلاده من سورية، تساؤلات حول انعكاسات القرار على المناطق التي كانت تُعتبر تحت الحماية الأميركية، أي منطقة شرق الفرات وحتى الحدود العراقية، وبطبيعة الحال على القوى المحلية المختلفة المتصارعة على هذه المنطقة، وهي النظام السوري، والمسلحون الأكراد، وقوى المعارضة سواء المدعومة من تركيا أم القوى العشائرية المحلية وأصحاب الأرض في تلك المنطقة. ومن المعروف أن المليشيات الكردية التي تمثلها بشكل عام “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) هي المسيطرة إجمالاً على هذه المناطق، ما عدا مربعين أمنيين للنظام السوري في القامشلي والحسكة، وجيوب محدودة لتنظيم “داعش” في بعض القرى.

وفي ظل الحديث التركي في الآونة عن عملية عسكرية في المنطقة، قبل أن تعلن أنقرة تأجيلها أمس على خلفية القرار الأميركي، كانت أغلب التوقعات تشير إلى أن قوات “قسد” قد تعمد إلى تسليم مناطقها إلى النظام السوري، وتجنّب الدخول في سيناريو مشابه لعملية عفرين، خصوصاً أن النظام ما زال موجوداً في مركز مدينة القامشلي ومركز مدينة الحسكة. وكشفت وسائل إعلام كردية، عن وصول وفد من قيادة “حزب العمال الكردستاني” من جبال قنديل إلى مدينة السليمانية في إقليم كردستان العراق، في طريقه لزيارة العاصمة السورية دمشق لإجراء مفاوضات مع نظام بشار الأسد، بخصوص تطورات الوضع في شمال سورية وشرق الفرات بعد القرار الأميركي المفاجئ بالانسحاب.

لكن الاحتمال الآخر، أي حصول مواجهة عسكرية بين “قسد” وفصائل الجيش الحر المدعومة من تركيا، وارد جداً أيضاً، على الرغم من أن محاولات قد تجري لتفادي هذا السيناريو والتوصل إلى حلول وسط، مثل نشر عناصر من البشمركة في المنطقة. ويتعزز هذا التوجه مع إعلان تركيا أمس التريث في إطلاق العملية العسكرية شرق الفرات.
وفي هذا الإطار، قال مصطفى سيجري، رئيس المكتب السياسي لـ”لواء المعتصم”، أحد الفصائل الرئيسية في “الجيش الوطني” المدعوم من تركيا، إن قرار واشنطن جاء ليؤكد أنها “لن تجعل قواتها في مواجهة إرادة الشعب السوري الرافض للتقسيم، ولن تكون داعماً للقوى الانفصالية في سورية”، معتبراً أن سحب القوات الأميركية لا يعني بالضرورة الانسحاب من الملف السوري، وهو “فرصة للقوى الكردية الوطنية من أجل صياغة علاقة جيدة وطيبة مع المعارضة السورية وطي صفحة الماضي، واستكمال النضال المشترك ضد نظام الإرهاب في دمشق”.

وأورد سيجري في حديث مع “العربي الجديد”، عدة خطوات “عملية وسريعة يتوجب على الإخوة الأكراد القيام بها، سوف تساعد في قلب الطاولة على روسيا وإيران والنظام”. ودعاهم “للعودة إلى حضن الشعب السوري بمختلف مكوناته وأطيافه”. ومن هذه الخطوات التي أوردها سيجري، “فتح الأبواب لدخول قوات من الجيش السوري الحر إلى كامل المنطقة والتمركز في قواعد عسكرية لدعم الاستقرار، وإخراج القيادات والعناصر المصنفة على لوائح الإرهاب التركية والمتورطين في دماء الشعب السوري إلى خارج المنطقة، وحل تنظيم قسد بجناحيه العسكري والسياسي”. وأضاف سيجري في مقترحاته “فتح الباب للعودة الطوعية للمهجرين، وفك الارتباط وقطع أي اتصال بتنظيم العمال الكردستاني الإرهابي، والترحيب بدخول القوات التركية لوضع نقاط مراقبة على كامل حدود المنطقة وخط التماس مع قوات النظام، والعمل على تشكيل جسم عسكري واحد يضم جميع أبناء المنطقة من أكراد وعرب وتركمان وغيرهم ويكون امتداداً للجيش الوطني، إضافة إلى تشكيل إدارة محلية وإجراء انتخابات بعد عودة كامل المهجرين من أبناء المناطق”.

وفي السياق ذاته، بدأ أمس الجمعة اجتماع عشائري في مدينة اعزاز قرب حلب شمالي سورية، لبحث مستقبل المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد” ودور العشائر والقبائل في إدارتها. وقالت مصادر محلية لـ”العربي الجديد”، إن المؤتمر الذي يُعقد بحضور رئيس الائتلاف الوطني السوري، عبد الرحمن مصطفى، ووفد من أعضاء الائتلاف والحكومة السورية المؤقتة، وقياديين في الجيش السوري الحر وفصائل المعارضة المسلحة، يهدف إلى بحث مستقبل منطقة شمال شرق سورية، وتشكيل جسم موحّد يضم ممثلين عن جميع العشائر في منطقة شمال سورية شرق وغرب نهر الفرات أو اللاجئة في الأراضي التركية. وأوضحت أن ذلك الجسم سيكون له دور في إدارة المناطق التي استردها الجيش الحر أو سوف يقوم باستردادها من سيطرة قوات “قسد”.

وتتسم العلاقة بين العشائر العربية وقوات “قسد” في المنطقة بالتوتر بشكل عام، خصوصاً بسبب إقدام “قسد” على حملات اعتقال مستمرة بين أبناء العشائر لسوقهم للخدمة في صفوفها أو بتهم مختلفة. وقبل نحو 10 أيام قامت مجموعة من أبناء العشائر في ريف دير الزور الشرقي، بالسيطرة على آبار نفط قرب حقل كونيكو في بلدة خشام الواقعة تحت سيطرة “قسد” والذي يضم أيضاً قاعدة عسكرية كبيرة. وقال بعض الأهالي ان سياسات “قسد” تجاههم وسيطرتها على كل موارد المنطقة متجاهلة الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشونها، كانت وراء هذه العملية التي شارك فيها عدد كبير من أبناء العشائر. وبلغ عدد الآبار النفطية التي سيطر عليها أبناء العشائر نحو 8 متوزعة بالقرب من حقلي العمر والجفرة، وحقل كونيكو للغاز.

في غضون ذلك، أكدت مصادر محلية، نزوح عدد من العائلات من محافظة دير الزور باتجاه الشمال السوري، بعد إعلان واشنطن نيتها سحب قواتها من سورية. وذكرت شبكة “فرات بوست” أن عدداً كبيراً من العائلات نزحت خلال الساعات الماضية، من مناطق سيطرة “قسد” إلى الشمال تحسباً من خلايا النظام السوري التي قام بتشكيلها خلال الأشهر الماضية في مناطق سيطرة “قسد”، إضافة إلى عناصر الأخيرة الذين غالبيتهم يدينون بالولاء للنظام السوري، حسب الشبكة. وكانت مصادر محلية من مدينة تل أبيض في ريف الرقة الشمالي، ذكرت أن المدينة تشهد حركة نزوح بعض السكان والقاطنين فيها إلى ريف المدينة الجنوبي ومدينة الرقة والمدن المحيطة بها، تخوفاً من العملية التركية في المنطقة، ولا سيما بعد الإعلان الأميركي عن بدء انسحاب قواته من سورية.

وحسب مصادر كردية لـ”موقع باسنيوز”، فإن الوجهة الأولى للقوات الأميركية المنسحبة من سورية ستكون باتجاه محافظة أربيل العراقية في إقليم كردستان العراق. ونقل الموقع عن مسؤول أميركي قوله إن 2130 جندياً من القوات الخاصة الأميركية سيغادرون سورية في الأيام المقبلة، وسينتشرون في مدينة أربيل، موضحاً أن الانسحاب سيشمل قاعدة التنف ومنطقة الـ55 في مرحلة لاحقة.
وفيما ذكرت وكالة “إنترفاكس” الروسية أن الولايات المتحدة تعتزم إغلاق قاعدة التنف شرقي سورية، قال قائد “مغاوير الثورة” مهند الطلاع، في تصريح لـ”العربي الجديد،” إن الولايات المتحدة أبلغت فصيله العامل في منطقة التنف نيّتها الانسحاب من كامل سورية. واعتبر طلاع أن قرار الانسحاب الأميركي ستكون له نتائج سلبية على الوضع في سورية، خصوصاً أنه يأتي قبل إتمام الحل السياسي.

وتقع قاعدة التنف، التابعة للتحالف الدولي لمحاربة “داعش”، في معبر التنف الحدودي عند المثلث الحدودي بين سورية والأردن والعراق. وتتمركز قوات أميركية فيها، وتقوم بدعم وحماية فصائل من المعارضة موجودة في “منطقة 55” داخل الأراضي السورية، من أبرزها قوات “الشهيد أحمد العبدو” و”جيش مغاوير الثورة”. كما تؤمن حماية لمخيم الركبان الموجود بالقرب من القاعدة. وتعتبر التنف القاعدة الأساسية التي بنتها القوات الأميركية في الجنوب السوري، وتستخدمها لكبح نشاط إيران وقطع طريقها البري من طهران إلى دمشق.

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close