لغتنا العربية و لغة الصحافة

* د. رضا العطار

الجريدة والمجلة هما اعظم المواد الثقافية خطرا وخطورة في مجتمعنا العربي. لآنهما بطبيعة الظهور الدوري لآعدادهما تهيئان للقارئ الوانا من الايحاء والدعاية, وقدتكون حسنة مرجوة الخير او سيئة حبلى بالشر . والجريدة تكون عادة رخيصة يسهل شرائها, كما انها تجذب القارئ بمختلف الالوان على مائدتها من خبر مهم في السياسة الى صور مغرية الى قصص مسلية الى غير ذلك. وهي في ايدي التجار تجارة, وقد يعلو قدرها بالمعارف الراقية النيرة, وقد تنحدر في مستواها الى تجارة النخاسة في بيع الرذائل. فالمتاجر بالصحافة يستكتب العوام كي يكتبوا للعوام, ويخاطب احط الافكار في القراء و من ثم يجعل جريدته اعلانات لبعض الاخبار والصور التي تخضع لغاية مقصودة. فالجريدة التي تعينها احدى الشركات التي تبيع الخمراو الدخان مثلا لا يمكنها ان تكتب مقالا في الضرر الذي تسببه هذه المواد على صحة الجمهور.

والجريدة او المجلة التجارية الخاضعة لآعلانات التجار, كذلك هي خاضعة للاعلانات التي تحصل عليها من الاحزاب. فكي نقرأ الجريدة او المجلة بفهم وتمييز يجب ان نقدر هذهالعوامل الخفية وان نزن الخبر او المقال او الصورة في ضوء هذه العوامل.

يجب علينا ان نقدر على الدوام اثر الايحاء النفسي من التكرار مثلما يجب ان نسأل عن المال الذي يدور به دولاب الجريدة ومن اين مأتاه. فقبل سنوات مثلا افلست احدى شركاتالتأمين في احدى الدول العربية, فلم ينشر هذا الخبر في الجرائد المحلية, مع ان كثيرا من قرائها كانوا يملكون اسهم هذه الشركة وترك هؤلاء المساكين على الجهل بهذا الافلاس حتى تخلص غيرهم من حاملي هذه الاسهم ووقعوا في الخسائر ايضا.

وفي كثير من الدول العربية توجد غوغاء من المجلات الاسبوعية هي شر ما يمكن ان يتناوله قارئ كي يثقف ذهنه ويربي نفسه. وهي نوعان : احدهما للقيل والقال وحديث الشاطئ والسباقولهو الاغنياء. والاخر يرصد صفحاته للثقافة الرائدة. ويكاد يقتصر عليهما وكلاهما مضر. لآن الاولى تفسد الذهن بايحاءات تبعث اهتمامات وعادات سخيفة في القراء والثانية لا تفتأ تكتب المقالات في الدعوة الى مجتمع شرقي راكد, والى النفور من المجتمع الغربي الناهض. حتى لقدبلغ بأحد الكتاب في مصر ان يقول في احدى مقالاته عام 1942 :

( يرحمك الله يا ابي لقد كنت لا تشتري حذاء الا بعد ان تجربه على رؤوس زوجاتك )

هذه الشهادة من الاب الجاهل تكفي ان نتصور المستوى الخفيض الذي كان مسيطرا على عقول العامة في المجتمع الشرقي انذاك.

ان من واجب كل عربي غيور بار بالمرأة والآمومة ان يكافح امثال هؤلاء الكتاب المتخلفين.

ان الجريدة او المجلة الحسنة هي التي تنزع الى الفلسفة وتنبه الضمير وتستفز الذهن الى التفكير ولو كانت مخالفة لآرائنا، واذا تحرى القارئ الانتفاع والارتقاء بالجريدةفأنه لا بد مستغن عن كثير مما يطبع وينشر. وهو اذا كان عارفا بلغة اجنبية فانه يجب ان يشترك في الجرائد والمجلات الآنجليزية او الفرنسية او الالمانية. كي يتصل بالعقل العالمي العام على هذا الكوكب. ولكنه حتى مع امتيازه هذا فانه بحاجة الى قراءة جريدة يومية عربيةعلى الاقل.

فعلى القارئ العربي ان يختار الصحيفة بعناية مؤكدا على جودة لغتها العربية وخلوها من الشوائب, كما عليه ان يدرس اغراضها الخفية والظاهرة وحسبه ان يحاسب نفسه من وقتلآخر عن الايحاءات السيئة التي ربما يلتبس بها لانه احيانا يقرأ اخبارا لكنه لم يتنبه الى الدعاية المختفية ورائها. وعليه ان يتذكر ان هناك – اكاذيب سلبية – هي تلك الاخبار التي منعت الجريدة من نشرها كما حدث من قبل.

اما كيف نختار الجريدة ؟ فاننا قبل كل شئ يجب ان ننظر اليها كما ننظر الى مدرسة او مكتبة نتسائل فيما لو كانت تخدمنا في مسار الرقي بأسلوب لغوي راقي تنسجم عباراته وروحالعصر الذي نعيش فيه. فيجب على الاقل ان يكون في ادارة الصحيفة كاتب متفهم لمتطلبات الزمن الذي يعيش فيه, مستنير يفهم التيارات الاجتماعية والاقتصادية التي تكتسح العالم كما يجب ان تكون الصحيفة حاوية لطائفة من الاخبار الاصيلة التي تنقل الينا صورة صحيحة عن التغييراو التطور الذي يجري في العالم بلغة تختلف عن لغة الجاحظ.

وفي الجريدة كما في الكتاب يجب ان نقرأ بالقلم فنبرز الخبر الخطير ونقرا الصفحة المالية ونتعلم كيف تكون تقلباتها ونطلع على الدلالات التي تشير على تغير السياسة بأسلوبواضح وبسيط يفهمه القارئ دون عناء, اسلوب لغة لا تثير في نفس القارئ الممل بل يجب ان نقرأ الخبر الذي لم يكتب ونتعرف الى الاسباب التي تمنع النشر لهذا الخبر او ذاك . وفي سنوات الحرب تصبح الجريدة ضرورية للفرد، لان الحرب كما قال كارل ماركس هي قاطرة التاريخ. ولسرعةالحوادث فيها فنحن نقرأ في الجريدة تاريخا حيا لعصرنا. وهي لذلك تجذبنا بقوة الحوادث بل ان ايام الحروب كثيرا ما كانت سببا لجذب العامة الى قراءة الجريدة واعتياد شرائها مدى الحياة.

وفي سبيل المقارنة اورد المجتمع الفنلندي كمثال الذي كان قبل مئة عام يمتلك 209 صحيفة يومية و557 مجلة اسبوعية وشهرية. هذا هو الفرق بين امة غربية ناهضة و اخرى شرقيةقاعدة, علما ان نفوس فنلندا كان لا يتجوز خمسة ملايين من السكان.

* مقتبس من كتاب التثقيف الذاتي للموسوعي سلامة موسى.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close