كيف ان الحضارة العربية تأثرت بالأداب الفارسية قديما ؟ ح4

د. رضا العطار

عبد الله بن المقفع، ودوره المحوري في نقل الموروث الثقافي الفارسي الى الدولة العربية الاسلامية.

ولد ابن المقفع في البصرة سنة 106 للهجرة من اب فارسي مجوسي زمن الحجاج في عهد الخليفة الاموي هشام بن عبد الملك، واسمه (روزيه) فصار يدعى حين اسلم ب (عبد الله بن المقفع).

وبعد، فان يكون ابن المقفع هو الباحث، بكتاباته، للدولة الكسروية والناشر لقيمها في الدولة العربية الاسلامية وهي في طور النشوء والترعرع، فهنا نستعرض مضمون اهم مؤلفاته واكثرها تداولا : كتاب (خداينامه)(اي كتاب الملوك) وهو في تاريخ ملوك الفرس، وكتاب (آيين نامه) (كتاب العادات والقوانين) و (كتاب التاج) وهو في سيرة الملك انو شروان، وكتاب (الدرة اليتيمة) في اخبار السادة، وكتاب حول مندك. كما نسب اليه ترجمة نصوص لارسطو في المنطق، غير ان اهم ما وصلنا، اربعة : الادب الصغير والادب الكبيروكليلة ودمنة ورسالة الصحابة.

ومع ان هذه الكتب قد عرفت ولا زالت تعرف انتشارا واسعا في الثقافة العربية لكونها تجمع بين (ادب اللسان) و (ادب النفس) مما جعل منهما مرجعا (خالدا) يرجع اليهما متعلمو العربية والادباء والمولعون ب (الحكم) الخ . . .

فان كتاب كليلة ودمنة كان اكثر انتشارا في جميع العصور حتى عصرنا هذا، فضلا عن انه ترجم الى كثير من اللغات القديمة والحديثة.

لقد كان الموضوع الذي انكب عليه ابن المقفع وحصر جهده فيه هو (الادب) وبالتحديد (الاداب السلطانية) وقد رأيناها تدور حول ثلاث محاور : طاعة السلطان و اخلاق السلطان، ثم اخلاق الكاتب. أما القسم الرابعوهو (ادب النفس) الذي يقع اللجوء اليه حين الفشل والعجز عن المقاومة الايجابية فيتخذ سبيلا للمقاومة السلبية.

كان ابن المقفع صديقا حميما للأديب عبد الحميد الكاتب، تجمعهما المهنة والمحنة، هذا شيء معروف، وعلينا ان نضيف هنا انهما كانا صاحبي مشروع واحد، مشروع نقل القيم الكسروية الى الحضارة العربية الاسلامية،قيم الطاعة والاستبداد، ولا يعني هذا بالضرورة انهما كان يتصرفان بسوء نية، او انهما كنا (متآمرين) على مصير الدولة العربية الاسلامية ـ واذا كان هذا في حق ابن المقفع مما يمكن افتراضه ـ كل ما في الامر من وجهة نظرنا، هو انهما بحكم وظيفتهما كانا في وضع يحملهما علىالاهتمام بالبحث عن البديل ـ سواء بدافع داخلي فيهما او بطلب من (الخليفة) الذي كانا يعملان معه او مع رجال حاشيته . وبطبيعة الحال كان لا بد ان يختلف (البديل) المطلوب لدى الرجلين لاختلاف الظروف العامة. وكذا الظروف الخاصة بكل منهما.

كان عبد الحميد كاتبا لملوك الدولة الاموية الأواخر، وكان يرى الدولة بل ويعيشها، وهي تنزلق بسرعة نحو السقوط. فكان طبيعيا ان يهتم بالادبيات السياسة التي تتحدث عن الدولة وعوامل قوتها ومكامن ضعفها الخ. فوجد ذلك جاهزا في الموروث الفارسي الذي كان يزخر بالكتابات السياسية التي من هذا النوع فأستوحى ـ بل نقل منه ـ ما كانت الدولة الاموية المحتضرة في امس الحاجة اليه، وهو طاعة الرعية. وقد عبر عن ذلك في ذلك النوع من الكتابة (اوامر سلطانية) يصدرها ملوك الفرس الى رعاياهمفي اطار (الضغط البلاغي)، سلاحا للاقناع، بتفضيل. لتتلى في المساجد والساحات العمومية.

اما ابن المقفع فيبدو انه لم يكن منشغلا بانقاذ الدولة الاموية، بل كان يرى الدولة الجديدة قادمة، فكان على صلة بقادة الحركات الثورية السرية لاتباع الامام علي بن ابي طالب، ومن هنا كان اهتمامه بالدولةالبديل للدولة الاموية المنهارة. فانصرف الى الادبيات السياسية الفارسية، لا ليستوحي منها شروط الانقاذ ووسائله بل ليقدمها كايديولوجيا متكاملة للدولة العباسية القادمة. فقد كان لا بد من سلاح آخر جديد تكون جدته وتأثيره وانتشاره في مستوى طموحات الدولة الجديدة المنتصرة.

المهم الان ان نلاحظ ان ابن المقفع كان اول من استعمل هذا السلاح الجديد : الكتاب، وربما ان كتبه تدور كلها حول (الاداب السلطانية) ومهمتها نشر القيم الكسروية الاستبدادية . . . فقد لا نبعد عن الصواباذا قلنا : ان ابن المقفع كان المشرع للدولة الكسروية في بلاد الاسلام. والتي ما زالت قائمة فيها الى الوقت الحاضر. .

على ان ما يهم ابرازه هنا امران لا بد من ان نقول كلمة حولها لتكتمل الصورة : وضعه الاجتماعي الذي أهًله ليكون صاحب مشروع، يشرع للدولة الجديدة من جهة وسكوته عن مصادره ومراجعه من جهة اخرى.

! ـ عاش ابن المقفع في اواخر الدولة الاموية واوائل الدولة العباسية، كاتبا ومترجما ولم يكن من مطلق الناس، بل كان من رجال الدولة وبالتحديد كان عضوا في تلك الفئة من الخاصة التي اطلق عليها هو نفسه اسم (الصحابة) صحابة الخليفة، اي وزراؤه وكبار رجال حاشيته . . والمعروف ان مصطلح الصحابة كان مقصورا على (صحابة الرسول) اي الذين صحبوه مؤمنين بدعوته ناصرين له مجاهدين في سبيلها.

ان الدولة الجديدة كانت دولة ثورة اشترك فيها العرب والفرس. وبما ان الدولة التي قامت الثورة ضدها كانت دولة الفاتحين العرب (لارض فارس)، فإن الدولة الجديدة يجب ان تكون دولة (الفاتحين الفرس) لدولة العرب.

ومن هنا سيكتسي (الفتح المضاد) صورة فتح حضاري ثقافي . واذا كان هذا الفتح المضاد قد بدأ في الحقيقة منذ هشام بن عبد الملك، فإن نجاح الثورة التي كان الفرس يشكلون قوة رئيسية فيها سيترتب عنه ان نموذجالدولة الذي يفرض نفسه بديلا للنموذج الاموي هو النموذج الفارسي / الساساني.

على ان مما يثير الانتباه حقا ان نصوص ابن المقفع تخلو تماما من اية عناصر اسلامية او عربية. فلا ذكر لآية قرآنية ولا لحديث نبوي ولا لقولة صحابي او لشيء عربي، لا في الجاهلية ولا في الاسلام . . وهذاالسكوت المطبق والمتعمد عن المرجعيات العربية والاسلامية يوازيه ويعضده السكوت عن المرجعيات الفارسية في عدم ذكر اسماء ملوك الفرس، حتى ولو كانت من قبيل (قال حكيم فارسي ) . . وهذا السكوت غير بريْ ! ان السكوت عن المرجعيات الفارسية لا يمكن ان يفسر إلا بكونه كان مناجل السكوت عن المرجعيات العربية الاسلامية.

هكذا يتحول المؤلف المجهول الى متعال، الى (العليم الحكيم) وتتحول الاداب السلطانية الفارسية الى شريعة في الحكم والسياسة. ليبقى الدين (الشريعة الاسلامية) في ميدانه يشرع للعبادات وبعض المعاملات، اماشؤون الحياة . . فليس لأحد من الناس فيها حق إلا الامام. وهذا الفصل بين شؤون الدين وشؤون الحياة قد اقتضته الارادة الالهية، وذلك ان

(الله جعل قوام الناس وصلاح معاشهم ومعادهم في خلتين : الدين والعقل. الدين شرع لامور العبادة وبعض امور المعاش وترك الباقي وهو كثير لا يحصى ل (العقل)

ولو ان الدين شرع للناس كل شيء، لكانوا قد كلفوا غير وسعهم، ولحارتعقولهم والبابهم التي امتن الله بها عليهم ولكانت لغوا لا يحتاجون اليها في شيء. لكن اي (عقل) هذا الذي يقتسم التشريع مع الدين، انه عقل (الامام) ولكن الامام عند ابن المقفع ليس كأمام الشيعة المختص بعلم النبوة، كلا، ان الامام عند ابن المقفع هو كسرى في ثوب

(ابي جعفر المنصور).

فالمهم بالنسبة لنا هو انها تحدد بكل وضوح هوية (علم الاخلاق والسياسة) الذي انحدر الى الثقافة العربية، من الموروث الفارسي والذي عرف اولا باسم (الادب) ليطلق عليه فيما بعد اسم (الاداب السلطانية). ومايجب الانتباه اليه هنا هو ان العبارة السابقة تُعرًي فعلا هذا النوع من (الاداب) تفضحها وتكشف عن حقيقتها، وذلك حين تقرر ان لهذه الاداب (ظاهرا) ليس هو المقصود الحقيقي، وانما هو التنويه فقط، وهو (سياسة العامة وتأديبها)، و (باطنا) هو الغرض والمقصود الاول والاخير،وهو بيان (اخلاق الملوك وسياستها للرعية على طاعة الملك وخدمته). وبعبارة اخرى : السلوك الذي يجب ان يسير عليه الملوك ليضمنوا طاعة الشعب وخدمتها.

وهكذا ( جعل كلامه على السنة البهائم والسباع والطير ليكون ظاهرة لهوا للخواص والعوام، وباطنه رياضة لعقول الخاصة، وضمًنه ايضا جميع ما يحتاج اليه الانسان من أمر دينه ودنياه وآخرته واولاه، ويجنًبه ماتكون مجانبته خيرا له، ثم جعله باطنا وظاهرا كرسم سائر الكتب التي برسم الحكمة، فصار الحيوان لهوا وما ينطق به حكما وادبا )

الحلقة التالية في الاسبوع القادم !

* مقتبس من كتاب نقد العقل العربي ـ العقل الاخلاقي العربي، د. محمد عابد الجابري. الطبعة السادسة، دار النهضة، شارع البصرة الحمراء بيروت 2014 .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close