الرؤوس والمزابل!!

يُقال أن المجتمعات التي لا تعرف كيف تضع النفايات أو القمامة في مكانها لا يمكنها أن تضع الشخص المناسب في المكان المناسب , وهذا قول فيه مصداقية لأن الواقع المعاش مرآة ما تحتويه الرؤوس من الرؤى والتصورات والتقديرات , وقد تكون بعض الرؤوس حاويات لنفايات الأضاليل والبهتان.

وفي مجتمعاتنا هناك مصطلح “المزبلة” أي الموضع الذي تُراكم فيه قمامة ونفايات المحلة أو المدينة , ولا أظن لهذا المصطلح وجود في معجميات المجتمعات الأخرى المعاصرة ولكن بتوصيف آخر.

وكان معلمنا في الصف الأول الإبتدائي يصدح بأسماعنا كل صباح وبترنيمة لا تغيب عن أذهاننا ” يا مزبلة جوكي الخريا” , وهو يتغنى بها عندما يسأل التلاميذ عمّن لم يُحضر مادة الدرس , فيصفَّهم عند السبورة ويبدأ تغريدته المعتادة وكل واحد منهم يتلقى ضربات عصاه على كفه المبسوطة!!

أعادتني إلى مفهوم “المزبلة” موضوعات النفايات التي تعاني منها أكثر المدن , وهي تتعاظم ولا يعرف المختصون لها حلا , ولا يتعلمون من المجتمعات المعاصرة كيف تعالج نفاياتها.

والعجيب في الأمر أن مجتمعاتنا قد تناست أن “النظافة من الإيمان” , مما يشير إلى أن الإيمان منتفي , وهذا يفسر ما يدور من نكبات وتداعيات بإسم الدين.

ويبدو أن المسافة ما بين الحالتين عقلية بحتة , فبعض المجتمعات مرهون بإرادة المزبلة , مما يمنعها من التفكير خارج أسوار قيودها , فالمشكلة لم تكن موجودة بهذا الحجم الضار والمدمر , لكنها تنامت مع الزمن , والسبب يعود إلى أن مجتمعاتنا مستهلكة ولا تفهم بالتصنيع , ولا يمكنها أن تتصور آليات إعادة تصنيع النفايات والإستثمار فيها , لأسباب نفسية وعقلية وغيرها من المانعات والصادات , بينما المجتمعات المعاصرة والصناعية بالأخص , تستثمر بالنفايات وتفرزها وتعيد تصنيع الكثير منها , خصوصا الورقية والبلاستيكية والصلبة كالحديد وغيره.

وفي مجتمعاتنا لا نفهم إلا الطمر والتراكم أو الحرق , أو الحيرة , أي أننا لا نمتلك الوسائل المعاصرة لمعالجة النفايات , لأنها بحاجة إلى قدرات تصنيعية وإستثمارية ونحن نفتقدها بالكامل.

ولذلك فأن مشكلة النفايات لن تجد لها حلا , لأنها بحاجة إلى إعادة تصنيع وتصريف وفقا للآليات المعمول بها في الدول المتقدمة , وعلى ذلك ينطبق المثل ” بعيد اللبن عن وجه مرزوق”!!

فالنفايات مواد أولية لمشاريع صناعية وإستثمارية متنوعة , وهذه المشاريع لا وجود لها عندنا , مما يعني أن المجتمعات ستغرق في النفايات.

فهل من عقل تصنيعي رشيد وإستثماري يُجيد؟!!

مزبلة:موضع يلقى فيه الزبل والأوساخ
ومنها زبل وزبالة ومزابل ومزبلات.
“وربَّ لؤلؤةٍ في عين مزبلة…”
جوكي: أتوْكِ (من أتى)
الخريا: لا فائدة ترتجى منهم

د-صادق السامرائي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close