4 أعوام على عقوبات “داسبو”: عنصرية الملاعب الإيطالية تتفاقم

روما – ريم حياة شايف

يُبدي لاعب كرة القدم السنغالي باكايتا فينشي، المحترف في إيطاليا، أسفه من تكرار الهتافات العنصرية من مشجعي كرة القدم في الملاعب الإيطالية، الذين كثيرا ما سمعهم يهينونه بالقول “أيها الأسود القبيح، أنتم سود مقرفون”، كما يقومون بتقليد صوت القردة كلما استلم لاعب من أصول أفريقية الكرة أثناء المباريات، فضلا عن مشاهدته رمي الموز في ساحة الملعب، ورفع لافتات مكتوب عليها “فريق الزنوج”.

فينشي الذي انضم إلى فريق بيستونينا من الدرجة (ب) التابع لمدينة ماسينا في جزيرة صقلية جنوب إيطاليا، كلاعب وسط، قبل ثلاث سنوات، يقول لـ”العربي الجديد”: “أسمع عبارة أيها الأسود القبيح في كل مباراة لي مع فريقي، حتى أنني لم أستطع إحصاء عدد المرات التي تعرضت فيها للعنصرية. لقد صارت التعليقات العنصرية جزءا من حياتي”. وهو ما يؤكده الإيطالي ماركو بروتو، رئيس الجمعية الرياضية للهواة associazione sportiva dilettantistica RFC Lions Ska Caserta القائمة على مشروع رياضي يستخدم كرة القدم كأداة لمحاربة العنصرية ونشر روح التضامن، والذي سجل، خلال الفترة من نوفمبر/تشرين الثاني 2016 إلى نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ألف حالة تمييز عنصري على أساس عرقي في الملاعب، وغيرها من أماكن الخدمات الاجتماعية، من خلال sportAntenne، وهو مشروع وطني نشأ في عام 2016، في 13 مدينة إيطالية، بالتعاون بين المكتب الوطني لمكافحة التمييز العنصري، ومنظمة الرياضة للجميع UISP، التي تهدف إلى مواجهة التمييز العنصري، كما يقول لـ”العربي الجديد”. مضيفا أن ظاهرة العنصرية صارت أمرا عاديا في الملاعب الإيطالية، ضد لاعبين أجانب أو أوروبيين من أصول غير أوروبية.

تفاقم العنصرية في مختلف المستويات

سجل بروتو، 100 حالة عنصرية في كرة القدم الإيطالية للاعبين المحترفين، من بداية يناير/كانون الثاني 2016 حتى نهاية يونيو/حزيران 2018. لكن ما يدعو إلى القلق هو تزايد نسبة العنصرية عاما بعد آخر، من دون أن يتم الإبلاغ عن هذه الحالات من قبل حكام المباريات في بطولات اللاعبين الصاعدين والهواة، إلا في مرات نادرة.

بالفعل، يؤكد فينشي أنه قدم شكوى لحكم إحدى المباريات، التي شهدت ازديادا في التعليقات العنصرية، فردّ عليه الحكم بالقول: “العب ولا تركّز على ما يقولونه”، ولم يعطه وقتا كافيا للحديث، وبعد أن ألحّ عليه قام بطرده وأصدر قرارا بمنعه من اللعب في ست مباريات قادمة، قبل أن يخفف الحكم قراره إلى المنع من أربع مباريات، كما يقول. مستدركا: “هذا لون بشرتي، وأنا فخور به”.

ولم يسْلم لاعب خط الهجوم في فريق إيطاليا الوطني، الدولي الإيطالي ماريو بالوتيلي، المولود في مدينة باليرمو بجزيرة صقلية، من التعليقات العنصرية المسيئة، طيلة حياته المهنية التي بدأها عام 2006، وفق مقاله المنشور في جريدة سوفوت Sofoot الفرنسية، في 5 إبريل/نيسان 2018، الذي قال فيه: “إيطاليا ليست بلدا عنصريا، لكن لو كنت أبيض البشرة لكانت حياتي أسهل بكثير”.

حالة أخرى وثّقتها معدّة التحقيق وقعت في اليوم الـ19 من الموسم الماضي من بطولة دوري الدرجة الأولى لكرة القدم، وتحديدا في 20 ديسمبر/كانون الأول 2017، إذ كان لاعب وسط الميدان لفريق يوفنتس الإيطالي، الفرنسي من أصول أنغولية بلاز ماتودي، هدفا للشتائم والهتافات العنصرية من قبل مشجعي فريق هيلاس فيرونا، والذين تمت معاقبتهم بغرامة مالية قدرها 20 ألف يورو، بقرار صدر عن القاضي الرياضي جيراردو ماستراندريا، يوم 3 يناير/كانون الثاني 2018، في مدينة ميلانو شمال إيطاليا، بعد قراءة تقرير اللجنة الاتحادية لكرة القدم الذي طاول حوالي 3800 من أصل 6400 مشجع من الجماهير الذين كانوا يرددون عبارات عنصرية. لكن ماتودي تعرّض لهجوم عنصري آخر في مدينة كالياري، بعد أسبوع من الحكم السابق، من دون أن يقوم حكم المباراة بعمل أي شيء حيال ذلك، ولم يتم التبليغ عن الأمر، لأن عدد الأشخاص المعتدين لفظيا لم يبلغ الحد المشروع قانونا، وفق بروتو، رئيس الجمعية الرياضية للهواة، الذي أوضح أن معايير فرض العقوبات التي تضعها رابطة الدوري، حددت أن تكون مدرجات المشجعين متورطة بنسبة 1% على الأقل في الهتافات العنصرية، على أن تكون هذه الهتافات “مسموعة بشكل واضح”، وتستهدف بوضوح أحد اللاعبين.

وجرت، في ذات المدينة والملعب، واقعة أخرى، في 2 مايو/أيار 2017، إذ انفعل اللاعب الغاني سولي مونتاري، بعد تعرّضه لهجوم عنصري من طرف الجمهور، فحصل على بطاقة صفراء في أول شكوى إلى حكم المباراة، وبطاقة أخرى بعد صراخه في وجه الجماهير “باستا”، بمعنى توقّفوا، ليتم طرده من قبل الحكم.

وتركت الحادثة أثرها في عالم كرة القدم الإيطالية، لعدم معاقبة جماهير كالياري، أكثر من مرة، وفق ما وثّقته معدّة التحقيق. فيما علّق لاعب وسط ميدان بيسكارا التابع لمدينة بيسكارا الواقعة في منطقة أبروز وسط إيطاليا، سولي منارا، على هذه الحادثة على حسابه في تويتر، في 6 مايو/أيار 2017، قائلا: “أنا مصمم على مكافحة العنصرية. يجب على كرة القدم تحفيز الاحترام لعرق واحد، هو العرق البشري”.

القانون لم يعاقب العنصريين
على الرغم من إصدار الحكومة الإيطالية، قانون عقوبات جديدا لمواجهة العنف في الرياضة والتلاعب في المباريات في 2014، المعروف باسم قانون داسبو، والذي جاء كحاجة ملحّة بعد الكثير من الأحداث العنصرية والعنف داخل الملاعب الإيطالية، إلا أن العنصرية ما زالت مستمرة بعد صدوره، بحسب بروتو. وهو ما يؤكده فينشي، مشيرا إلى أن الحكام لم يغيّروا من تصرفاتهم في أمر تجاهل الهتافات. فإن تقدمتَ بشكوى يعطيك الحكم البطاقة الصفراء، لأنه بكل بساطة لا يهتم لأمرك.

وتنص المادة 11 من قانون العدالة الرياضية الصادر عن الاتحاد الإيطالي لكرة القدم المكون من 9 فصول و43 مادة، على أنه “يعتبر سلوكا عنصريا، يعاقب عليه القانون، أي سلوك مباشر، أو غير مباشر، يوحي بإساءة أو إهانة بسبب العرق أو اللون أو الدين أو اللغة أو الجنس أو الجنسية أو الأصل العرقي أو أي دعاية أيديولوجية أو أي تصرّف تمييزي”.

ونصت المادة 12 على “منع إدخال الأعلام والشعارات واللافتات مع المشجعين، في حال كانت تحمل عبارات عنصرية أو مسيئة للأخرين، أو أي شيء يكون ذا أبعاد عنصرية على أساس عرقي أو ديني أو إهانة بصورة مباشرة وغير مباشرة، وفرض غرامة مالية قدرها ما بين 10 آلاف و50 ألف يورو على المشجعين المتورطين في مخالفة ذلك”.

ويؤكد عالم الاجتماع ومدير مرصد العنصرية ومواجهتها في كرة القدم، ماورو فاليري، الذي يراقب هذه الظاهرة منذ أكثر من عشرين عاما، أن القوانين لا يمكن تطبيقها من الناحية العملية، لأنها تحمل الكثير من العقوبات، التي جعلتها لا تطبق أبدا، قائلا لـ”العربي الجديد”: “لا توجد رغبة في محاربة العنصرية والقضاء عليها، ما يتم هو من أجل التقليل من الظاهرة، وجعلها غير مؤثرة”، مضيفا أن الفعل العنصري يحصل بشكل شبه يومي، وفي رياضات أخرى أيضا، يكون مشجعو كرة القدم الممنوعون من دخول الملاعب هم المتورطين فيها، ولكن يبقى الفعل العنصري من دون معالجة.

ويؤكد ماركو بروتو أن عدد العقوبات الصادرة بعد القانون قلّت، لقلة حالات التمييز العنصري التي تمت معاقبة المتورطين فيها، مستدركا بالقول: “إنها فقط نظرة زائفة، الهدف منها التفاخر أمام المؤسسات الحقوقية المعنية”.

عزوف رسمي عن وضع الحلول
يُرجع فاليري، سبب عدم تمكّن كرة القدم الإيطالية من القضاء على العنصرية، إلى عدم جدية المؤسسات المسؤولة، التي فضلت إرضاء الأندية الرياضية، بدلا عن ملاحقة أصحاب السلوك العنصري، قائلا “في إيطاليا مواجهة العنصرية ليست معركة الجميع”، وهو ما يؤيده بروتو، الذي قال: “منذ اختيار ماتيو سالفيني، الذي ينتمي إلى حزب اليمين الإيطالي المتشدد نائبا لرئيس مجلس الوزراء وزيرا للداخلية، فإن الحكومة لا تتعامل مع قضايا التمييز العنصري بجدية، ولم تحرك ساكنا إزاء قضايا التمييز العنصري بسبب حزب اليمين، وهمها الوحيد هو قضايا الهجرة”.

ويؤكد بروتو أن المسؤولين في الاتحاد الإيطالي لكرة القدم فضّلوا دعم النوادي الرياضية، بدلا من معاقبة المشجعين العنصريين وحماية الضحايا بقوة، لمنفعتهم السياسية من وراء القائمين على رياضة كرة القدم.

محاولات التوعية
نفّذ المكتب الوطني لمكافحة التمييز العنصري UNA، بالتعاون مع الاتحاد الوطني للرياضة للجميع UISP، نحو 152 مبادرة رياضية، شارك فيها حوالي 16 ألف شخص مهتمين بقضايا التمييز العنصري من لاعبين وناشطين، منهم 37 بالمائة من دول غير أوروبية، وبمشاركة 92 جمعية للتوعية بمخاطر التمييز العنصري في الملاعب الإيطالية، بحسب بروتو. مشيرا إلى أن مشروع RFC Lions Ska Caserta، الرياضي متعدد الأعراق المعني بمناهضة العنصرية في ملاعب كرة القدم الإيطالية في بطولة FIGC من الدرجة الثالثة، يخوض حربا ضد العنصرية، منذ تأسيسه قبل سبع سنوات في الملاعب وجميع الأماكن في مدينة كازيرتا وضواحيها (512 كم إلى الجنوب من روما)، ما أسفر عن نجاح، إلى حد ما، في مكافحة العنصرية في الملاعب الإيطالية، كما اختتم يقول بروتو.

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close