كيف ان الحضارة العربية تأثرت بالأداب الفارسية قديما ؟ ح5

(*) د. رضا العطار

عندما توفي ابن المقفع كان قد مضى على الدولة العباسية عشرسنوات، وكان على راسها يومئذ ابو جعفر المنصور الذي تبنى القيم الكسروية في كل اتجاه، فنشأت الدولة الجديدة على هذه القيم وانطبع بها العصر العباسيالاول الذي يعرف في اصطلاح المؤرخين بعصر (النفوذ الفارسي) ، النفوذ على مستوى جهاز الموظفين الكبار من وزراء وكتاب ومن خلالهم على الحياة العامة، والنفوذ على المستوى الثقافي، وقد عبر عن نفسه من خلال ظاهرة (الشعوبية) المتعصبة للنعرة الفارسية الخ.

ومع انه كانت هناك ردود فعل كثيرة ضد هذا النفوذ، فإن اهمها كان على مستوى التأليف، (الفتح المضاد) وما رافقه من حرب الكتب. يقول ميلتون جيب (دراسات في حضارة الاسلام) :

(ان انتحال الدولة العباسية للتقاليد الملكية الفارسية والمنحني السياسي الفارسي استتبع صراعا بين الملل العليا الاخلاقية والاجتماعية، ودار اكثره في ما قد نسميه (معركة الكتب) وتسمي حركة بث الصيغة الفارسيةباسم (الشعوبية) . . فقد كان اصحاب هذه الحركة هم طبقة الكتاب العاملين في الدواوين وكان نفوذهم قد زاد زيادة بالغة.

وقد عثر اولئك الكتاب منذ اواخر الدولة الاموية على النماذج التي يحتذونها في ادب البلاط الساساني. فأهمية الحركة الشعوبية إذن تكمن في انها تمثل جهود طبقة الكتاب ليفرضوا سيطرة تقاليد البلاط الفارسيليس وحسب بل لكي يبعثوا البناء الاجتماعي الفارسي القديم بكل ما يحويه من مراتب طبقية متمايزة. ولكي يحلو روح الثقافة الفارسية محل ما خلفته التقاليد العربية من مؤثرات في المجتمع المدني الجديد المتطور بسرعة في العراق، وسبيلهم الى ذلك ان يترجموا للناس وينشروا بينهمكتبا فارسية الاصل تلقى بينهم ذيوعا ورواجا).

تجسم هجمة القيم الكسروية وسعي حامليها الى جعلها القيم المهيمنة على الدولة والمجتمع، ومع مرور الزمن اخذت ردود الفعل المضادة تتمثل في التجنيد لتدوين الموروث العربي والاسلامي في اللغة والشعر واخبارالعرب، كما في الحديث والتفسير والفقه، اضافة الى ترجمة الموروث اليوناني التي سرعان ما قطعت هي الاخرى اشواطا هامة.

كانت نتيجة ذلك تعدد التيارات الثقافية وتنوع مجالات نشاطها. ومع هذا النشاط الثقافي الواسع الذي كان يطبعه التنافس ويحركه قانون الفعل ورد الفعل، اخذت صورة الثقافة العربية تتغير في اتجاه الاعتراف بالتعددوالتعايش بين الثقافات، حتى اذا دخل القرن الثالث اصبحت الساحة الثقافية العربية سوقا للقيم منها ما هو كسروي ومنها ما هو عربي اسلامي ومنها ما هو يوناني ومنها ما هو عرفاني صوفي ومنها ما هو (شيعي علوي) !

وكانت النتيجة ان ظهرت موسوعات (ثقافية) تعترف بالتعدد الثقافي ـ فيما عدا ما يتصل بالدين عقيدة وشريعة ـ فسميت لذلك ب (كتب الادب) وربما ان الاخلاق والقيم لا تخلو منها اية ثقافة، وبما ان القيم الانسانيةواحدة في جميع الديانات تقريبا، فقد اتخذ صنف من (كتب الادب) شكل (سوق القيم) باعتبار ان مصطلح (الادب) يجمع بين ما به (صلاح اللسان) من فصاحة وبلاغة الخ، وما به من (صلاح النفس) من اخلاق حميدة تشيد بها جميع الثقافات.

ويهمنا هنا ان نعرض لنماذج من هذه الكتب كتب (سوق الادب) التي كانت وما زالت حاملة للقيم ومروجة لها في الثقافة العربية. وسنرى ان القيم التي كانت تحكم رؤية هذه الكتب للعالم هي ذات القيم التي تعرفناعليها قبل، اعني القيم الكسروية.

كان ابن قتيبة النيسابوري من الاوائل الذين دشنوا التأليف في هذا النوع من (كتب الادب) كان من كبار علماء اللغة والادب والفقه والتفسير والحديث، مستقل الفكر منفتحا، عاش بعد ابن المقفع باقل من مئة عام،وعاصر دولة الادارسة في المغرب والامويين بالاندلس والطولونية في مصر والصفارية في فارس كما عاصر ثورة الزنج في البصرة وازمة الشيعة، اتباع الامام علي بن ابي طالب، أثر (غياب) الامام الثاني عشر عام 265 للهجرة.

واذن فلقد كانت الثقافة العربية الاسلامية في عصره قد غطت جميع حقول المعرفة المعروفة يومئذ، وقد شارك ابن قتيبة في معظمها، فألف في علوم القرآن، (غريب القرآن ومشكل القرآن، ومعاني القرآن، والقراءات) وفي علوم الحديث (غريب الحديث، مشكل الحديث، تأويل مختلف الحديث)، وفي الفقه (جامع الفقه، كتاب التفقيه، كتاب الاشربة) وفي علم الكلام (الرد على القائل بخلق القرآن، الرد على المشبهة) وفي اللغة والادب والنقد (ادب الكاتب، عيون الشعر، معاني الشعر الكبير، طبقات الشعراء،تقويم اللسان الخ) وفي النحو (جامع النحو الكبير والصغير) وفي التاريخ والاخبار (كتاب المعارف وينسب اليه الإمامة والسياسة) . . . وفي الرد على الشعوبية (كتاب فضل العرب على العجم، والتسوية بين العرب والعجم). ومع ذلك كان حضور ابن المقفع في كتاب (عيون الاخبار)، اخبارالادب والاخلاق، في الثقافة العربية الاسلامية حضور اقوى مما كان يتصور ابن قتيبة نفسه.

الحلقة التالية في الاسبوع القادم !

* مقتبس من كتاب نقد العقل العربي ـ العقل الاخلاقي العربي لمؤلفهد. محمد عابد الجابري، دار النهضة، الحمراء، شارع البصرة بيروت 2014

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close