عندما تصبح العشوائية قاعدة..للنظام!

عباس البخاتي

يكثر الحديث بين حين وآخر عن العشوائيات السكنية، وما تسببه من عرقلة وإرباك كونها تحول دون إقامة المشاريع التنموية.

تبين مراجع اللغة ان المفردة لها معان عدة، لكن المعنى الأبرز لها حسب معاجم تلك المعاجم ، هو إتيان الفعل دون قصد ولا رؤية تحدد أهدافه المعنية.

يتضح من خلال هذا التعريف، أن الأثر السلبي للعشوائيات لا ينحصر في عرقلة جهود الحكومة في مجال الإعمار والبناء والتنمية الشاملة، بل يتعداه لمجالات الحياة الأخرى كتشويه معالم المدن الحضارية، وإنعكاس ذلك على المتلقي في الخارج وتصوره للمشهد العراقيالذي يراوح مكانه بعد أكثر من خمسة عشر سنة، وبرغم الموازنات الإنفجارية والوفرة المالية لا تزال معالم البداوة متغلغلة في واقع البلد.

هناك أمر آخر متعلق بالإنعكاس السلبي لواقع العشوائيات، يتعلق بحيز محدود منها كبيئة مساعدة في ديمومة التخلف وتفشي الأمراض الإجتماعية التي تؤدي لإنهيار المنظومة القيمية وإرتفاع معدلات الجريمة.

الإقرار بخطورة ماتم ذكره لا ينفي أن الخوض بها يعد ضربا من ضروب الترف الفكري، كون هذا الواقع المصغر هو نتاج الأداء العشوائي من أغلب طبقات الحالة العراقية .

يمكن الإشارة إلى بعض جزئيات الفهم السطحي للحياة، كالعشوائية الإجتماعية، وخصوصا في ما يتعلق بالعادات والتقاليد والقيم.. والعشوائية العشائرية والحزبية والإعلامية والثقافية وحتى العقائدية، وصولا للعشوائية في الأداء الحكومي الرسمي، والذي يعد مفتاحالبعثرة المنظم كونه يفتقر لروح المبادرة التي من شأنها تنظيم المبعثر بالقضاء على مسبباته.

ربما يتداخل الفهم بين ما تعنيه الحرية كحق من حقوق الفرد والجماعة، وبين العشوائية المؤثرة والمتأثرة في سلوك الفرد والمجتمع.

شهد المجتمع العراقي بعد التغيير، حالة غير مسبوقة من الإنفتاح والحرية بعد عقود من الكبت والحرمان والعوز، فأصبح حال البعض كالحبيس في غرفة مظلمة لمدة ثم أطلق سراحه بقرار مفاجيء فبرز حيث أشعة الشمس اللاهبة فأثرت على بصره.

تلك هي المشكلة في المجتمع العراقي الذي تزامن إنعتاقه من سلطة البعث ذروة التطور في وسائل الإتصال وسرعة المعلومة، وهذا منح ميزة للعراقيين عن بقية شعوب المنطقة التي لم تشهد تحولا مفاجئا في واقعها، إنما وصلت إلى ما هي عليه عن طريق مواكبة الحدث التنمويالعالمي، الأمر الذي سهل لها عملية هضم المقطع الزمني بجميع متغيراته السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والتكنولوجية.

كثيرة هي المشاهد التي تحكي حالة الإفراط والتفريط التي تعاملت بها الحالة العراقية مع المتغيرات والتي أدت بدورها ترسيخ ثقافة الفهم العشوائي والتعامل معها كعرف سائد.

من مصاديق عشوائية الواقع العراقي حالة التفكك الأسري وكثرة حالات الطلاق وترك الأطفال لمقاعدهم الدراسية وإنخفاض نسب النجاح وصولا لتعاطي المخدرات.

العادات الدخيلة وتقليد الآخرين دون تروي ودخول ثقافات غريبة عن المنظومة القيمية للمجتمع العراقي وإندثار الموروث التربوي مرورا بالأعراف العشائرية المنافية لتعاليم الدين الإسلامي والأداء السياسي للأحزاب المتصدية وإخفاقها الواضح وتسخير المعتقد وتفسيرهمع ما يتماشى والمنفعة الشخصية وإبعاد النص الرسالي عن مضمونه الحقيقي، كلها شواهد على عشوائية الأداء باعتبارها حالة فرضت نفسها على الفهم الاجتماعي بحيث أن إنتقادها أو الإشارة لسلبياتها يعد خروجا عن المألوف وتمردا على رؤية العقل الجمعي.

كل مساحة من المذكورة آنفا لها من المصاديق الدالة على إستفحال خطرها الشيء الكثير، لدرجة أن إستقصائها يتطلب وقتا لا تسعه هذه العجالة.

ما ذكر يبقى محدود التأثير بلحاظ الأطر التي يتحرك بها، كونه لا يفرض سلبياته على مجمل الوضع العام عكس الأداء العشوائي الحكومي، الذي إن استمر على ما هو عليه سينسف جهود الإصلاح الرامية لإنتشال الوضع مما هو عليه الآن.

تمتلك الحكومة عدة خيارات فيما لو أستثمرت بالشكل الأمثل لأصبحت من أهم عوامل النجاح، وهذا بحاجة إلى إعادة روح المبادرة المعبرة عن وجود رغبة في التغيير الايجابي التي يفقدها الأداء الحكومي منذ التغيير وإلى يومنا هذا .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close