المرض بفلسطين !

كان يظن بأن في أمكان الناس أن يتعلموا من التاريخ ، غير أن أثبت لا أحد يبالي بدروس التاريخ فقاعاته فارغة من النظارة ، والمحاضر وافق على منصته في أنتظارهم ، لأن ، كما يقول هيجل ، لا يوجد من يتعلم من التاريخ ، وحكمته في ذلك ، أن كل شىء جديد تحت الشمس ، فتاريخ لا يعرف التكرار . فهناك روح تسري فيه وتتطور ، في طريق صاعد ، ولا تنظر إلى الخلف . ومن هنا ، يبدو عدم مبالاة الناس العفوية في التاريخ ، لأن دروس تبدو لا تفيدهم بما هم فيه ، وما هم عازمون على تحقيقه . ولهذا نرى يكرون أخطأ الماضي ، ونأسف لم يحدث ، ونسخر من هذا الغباء ، في أنهم لم يتعظوا من دروس الماضي والتاريخ ، ولكن ذلك تبين في حكم المستحيل ، من وجهة النظر أعلى ، لأن الناس ، كما يقولون ، مدفوعين بقوى غير منظور من خلفهم ، لا تدعهم يلتفتون للوراء . ولو حاولنا هنا ، أن نرى ما يتكرر في هذا التاريخ ، من أخطأ ، تحدث مرراً ، لأن ليس صعب ولا متعذر على أن يرى ما يتكرر ، ويحدث مرراً دون أن يكون في الإمكان منع هذا التكرر ، لأنه ، كما يخبرنا ، فلاسفة التاريخ ، بأن التاريخ لا يعيد نفسه . وما نعنيه هنا بتكرار أخطأ الماضي ، هو مجرد التشابه ، مع احداث آخرى وقعت بالسابق ، وليس التكرا الحرفي ، والتطابق التام . وهي ، من هذا المنظور لو كان ممكن الاستفادة من احداث الماضي ، لكان في الإمكان تجنب ، ما يحدث حالياً . وبما أننا أكثرنا ، ترديد هذا المصطلح ، التاريخ ، لنسأل ، من ثم ، ما هو التاريخ أولاً ؟ بالطبع أن ما نقصد بالتاريخ هنا هو مجرى الأحداث التي تقع للبشر في كل أنحاء هذه المعمورة ، التي عادة ما ينظر الفلاسفة لتلك الأحداث ، من زوايا مختلف ومتباينة ، ونحن لو اخذنا بالنظرة التي تقول ، بأن لا شيء يحدث مرتين ، كما لا يقدر المرء أن يسبح في النهر مرتين كما يقول هيرقليطس ، لأن هناك مياه جديدة دائماً . ونأخذ بهذه النظرة ، لأنها ، تبدو لنا ، أكثر من غيرها ، تنطبق على ما نراه في هذا العالم ، من تكرار الأخطاء الماضي ، فلو كانت هناك ثمة دروس مستخلص من الأحداث لما حدث هذا التكرر والوقوع في الخطئ عدة مرات فيه . فلابد ، أذن أن تكون هناك ضرورة قاهرة تمنع ، من الأستفادة بحكمة الماضي ، أي الاتعاظ من تجارب الماضي ! ولكن ، ما الذي نقصد ، بعد ، مما قيل ، ، وما هو المغزى من كلامنا هذا ! ، وخصوصاً أن عنوانا مقالتنا هو فلسطين ، فما علاقة فلسطين في التاريخ ؟ حقيقة ، أن لا يمكن الحديث عن فلسطين بدون ذكر التاريخ ، فلسطين موغلة في القدم ، ومرتبط بالتاريخ ، ولا تزال تنتظر من التاريخ حل ! فهي مشكلة تاريخية في أمتياز ، فهي لم تكن في يوم ما بعيد عن الصراعات التاريخية ، وذاكرة فلسطين مشحون بهذا التاريخ ، ولكن البعض ، حينما يحاول حل اشكالها ، ينسى هذا التاريخ ، وينظر لها على أنها مشكلة عصرية خالصة . وإذا كانت فلسطين مشكلة تاريخية ، فعلينا أن ناخذه التاريخ في الحسبان حينما نظر لها . وبما التاريخ ، كان في جوهر ، صراع وغلبه ، فمن وجهة النظر هذه ، خارطة العالم كانت دائماً في تغير وتبدل ، فالغالب ، بعد أن يؤسس ويقيم دولة ومملكة ، تراه ، بعد حين ينوح ويبكي ، على فقد تلك المملكة والأرض التي أسس عليها وأقام حكمة ، والتي كانت في السابق ملك آخرين سلبها منهم . ويعتبرها أرض مسلوبه ، ويقاتل من أجل استردادها ، وهكذ ، لو عاين فلسطين من ذلك المنظور لرأينا تعاقب دول ، وأقوام عليها ، وكلهم يدعي حقه فيها وملكيته الخالصة له ، وأنك لتجد آخر الحاكمين هو أكثرهم أدعاء بأنه أولى بها دون سائر الآخرين ، ولكن بأي حق يدعي ذلك ؟ فنراه ، لا يجد ، دليل سوى أنه آخر المالكين لها ، حتى وإن بطريقة غير مشروعة ، ويهمل من سبقه أليها ! ففلسطين لم تكن في يوم ملك للأحد ، وهناك نظريات كثيرة عن الأقوام التي سكنتها وحكمتها . فهي دائماً لمن يحكمها ، فقد تعاقب على حكمها ، كما يخبرنا المؤرخون ، اليهود ، وأقوام سامية عديدة . ولذا ليس من حق آخر من حكمهم سوى من العرب أو اليهود أن يدعي ملكيتها الصرفه له . ومنذ العشرينات من القرن العشرين سيطر عليها اليهود وباتو يحكمون جزء كبير منها وتوسعوا فيها وبما حولها نتيجة الحروب المتعاقبة ، وهذه الحروب والانتصار أضفت في النهاية الشرعية على وجودهم ، بحسب منطق عالمنا الذي سار عليه حتى يومنا هذا ، ومن ثم يحق لنا أن نسأل باي حق يطالب الفلسطنيون بحقهم فيها وهم مجردين من القوة وخسروا هم والعرب حروب فيها ! وبما إن نريد نعالج هذا الموضوع من وجهة نظر فلسفية وليس من وجهة نظر تاريخية ، والتي ، لا تقر بالعدل والحق المجرد ، وتنظر للأشياء من وجهة نظر القوة ، التي هي وحدها من لها في النهاية كلمة الفصل في الموضوع وشرعية من يحق لها ملكيتها ، فالأقوايا ، هم من يصنعون القوانين ، كما يقول ، أحد شخصيات أفلاطون بجمهوريته ، وعلينا أن نبعد العواطف السياسية والتحيزات ونظر بتجرد ، ومن منظور عصرنا ، الذي ، يحتكم للقوة وأملائتها . لقد أضحت اسرائيل في فترتنا دولة عظمى ، ودولة قوية ، والعرب من ناحية يتضائلون وينحسرون عن مجرى التاريخ. فهل هي المكابر والعناد والغايات السياسية الضيقة لبعض الفئات التي تمنع الاعتراف في اسرائيل واقامت العلاقات معها ، مادام أسست شرعية وجودها على القوة ، فيما أصبح العرب والفلسطينين يناشدون الضمير الاخلاقي للعالم أن ينصفهم ، ويرد لهم أرضهم التي يدعون ملكيتها ، حسب تعبير نيتشة ، بأن الضعفاء ، حينما يخسروا المعركة أمام الأقوياء يلجون إلى القيم الاخلاقية لابتزاز الأقوياء ! أما تراهم يبقون على عناد في أنتظر غير مجدي لتبدل الأحوال وتحول في ميزان القوى لصالحهم في مستقبل مجهول ، قد لا يحدث ، ولا يحدث ، لكونه ، معارض لكل منطق الأحداث والتوقعات ! ما نريد أن نقوله ، أنه ، آن الآون للعرب والفلسطينين أن يقروا في الواقع ، ويعملوا وفق شروطه . فعالم اليوم لم يختلف كثيراً عن عالم الأمس ، في نظرته إلى الأشياء ، فالقوي دائماً على حق . وإسرائيل لم تعد ما كانت عليه من قبل ، والعرب ، بجزء الكبير منهم ، والمسلمين لم يعدو ينظروا لها بالمنظار السابق . فالعرب أكثرهم له علاقات معها ، البعض علناً ، مصر ، قطر البحرين السعودية ، المغرب ، وغيره ، أما الدول الإسلامية ، وخصوصاً ، تركيا ، وأيران ، فتركيا ، لها علاقة جيدة ، رغم فترات الزعل بينهم ، أما أيران ، فهي تتجار بهذه ، العلاقة وتستخدمها الأغراض سياسية مؤقته ولن تخوض الحرب مع اسرائيل أبداً . ما الآخرين من الدول الإسلامية ، يقفون الآن على الحياد ينتظرون ما تسفر عنه الأحداث . وهذا كل يدل ، على أن العالم بات يقر بحق اسزائيل بالوجود ، وشرعية التعامل معها ، الذي كان موضع إنكار ورفض في الماضي . هذه هي ما تسفر عنه القرأة الموضوعية وليس العاطفية ، والتي تغمض عينها عن كل ما حدث وتطور فيما يخص تلك القضية . وقامت علاقة مع اسرائيل ، لا تعني بأي حال ، الرضوخ لها وإلى أحلامها ، أو ما يصوره البعض ، من أنه يعني السير في ركبها ونهاية عصر السيادة والوقوع بين براثن الصهيونية ، وإنما وضع حد إلى الأستنزاف ، إلى القدرات الوطنية في سبيل هدف بات مستحيل . فلم يجني أحد شيء من العداء للأسرائيل منذ وجدت . بل أن هذه العلاقة ، إذا تحققت ، ونبذ حالة العداء ، قد تخدم العرب والفلسطينين بشكل مفيد أكثر ، فلقد أصبح تتعايش الفلسطينين والاسرائلين ممكن ومفيد للطرفين ، بعد نبذ العنف وحل التفاهم محله ، مادام لا العرب ولا الفلسطينين قادرين فرض حل على عليها . فاسرائيل بات قوى كبرى مدمرة ، لو حدث نزاع بينها وبين أي دولة في المنطقة ، فمصر وهي أكبر دولة عربية تأخذها في الأحضان ، وكل الخليج حليف لها في تدمير سوريا ، ويعمل الكل على جعل العراق الدولة الوحيد التي تعادي أسرائيل ، لكي ينظر له بنفس المنظار إلى أيران . فمشكلة أسرائيل مع الدول العربية حلت تماماً ، ولم تبق سوى لمسات لتصبح علنية وصداقة عميقة . فالقضية الفلسطينية كانت في السابق قضية عربية ، ولكن نتيجة التطورات والتغير في أوضاع الكل ، بات قضية فلسطينية وقضية الامم المتحدة ، فالعرب قد أختفوا عن المسرح السياسي ، وتحولوا إلى دول متحاربة ، ولا يجمعهم جامع . وأعجز من أن يقدموا مساعدة في حل هذهالمشكلة ، وفق ما يريده بعض المتطرفين الفلسطينين الذين يراهنون على الكل أو لا شيء . وفي النهاية ، قد يشم مما قلناه ، تعبير عن روح التخاذل ، وتجاوز على الثوابت ، غير أن ليس كل تفكير في ما قر في الاذهان وعد من الثوابت ، هو جزء من روح التخاذل وتجاوز على الثوابت ، فالحياة ، في منعطفاتها ، تفرض على المرء والشعوب أن يعيد التفكير بما لديه من أفكار وثوابت ليرى مدى ملائمتها لما اصاب العالم من تغير ، فكل الأشياء في خدمة الحياة ، أما النظريات والثوابت فسرعان ما تشيخ وتغدو عقب في طريق الاستمرار ، فالنقد الدائم والمستمر هو ما يجعل المرء والشعوب فعالة وملائم للحياة ، أما أولئك الذين لا يتغيرو ويرفضون النظر بثابتهم ، عن تحجر وضيق أفق ، فهم يساهمون عن وعي أو غير وعي في تفاقم المشكلة والوصول لطريق مسدود . ففلسطين ما عادت هي القضية الأولى في الأهتمام ، فهاهي سوريا والعراق ، ودول عربية مهدد في الانقراض ، فالخريطة توشك أن ترسم من جديد ، وتغدو فيها فلسطين نقطة وذكرى ، فهل بعد هذا ثمة وعي للحفاظ على ما تبق قبل ضياع الكل ! فالكل الشعوب في حياتها هزائم وانتصارات ، وعليها أن تقر بالهزيمة مثلما تفرح بالانتصار ، وفلسطين كانت معركة خاسرة وهزيمة ، يجب الإقرار بها وتجاوزها ، وتركيز على ما يهدد ما بقى في اليد ، فذلك ما يقول به العقل والمنطق وليس الرضوخ للعواطف المستحوذ عليه وتعمي بصيرته .

هاني الحطاب

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close