السياحة العلاجية للعراقيين في إيران، دور السماسرة و الغياب الرسمي…

علی هامش المبادرة الأخيرة للبعثة السياسية العراقية في إيران

رضا طاهر – الکاتب و الصحفي العراقي الخبير في الشأن الإيراني

قامت إحدی البعثات السياسية العراقية في إيران المتمثلة بالقنصلية العامة في مدينة مشهد و هي ثاني کبری المدن الإيرانية، بالبدء بعملية استطلاع للمراکز الصحية و العلاجية ذات الجودة العالية في هذه المدينة من أجل تعرف المرضی العراقيين الذين يختارون هذه المدينة کواجهة لعلاجهم و علاج ذويهم.
و المبادرة التي جاءت بتنسيق مع کل من الخارجية العراقية و وزارة الصحة الإيرانية من شأنها أن تقلص دور السماسرة و مافيات السياحة العلاجية في العراق و ايران. و بدأ القنصل العام في مشهد ياسين شريف في مستهل عملية استطلاع هذه المراکز بزيارة مرکز طبي مرموق في مدينة مشهد من أجل الإعلان الرسمي عن بدء هذه العملية التي عجزت عنها الجهات الرسمية في کلا البلدين خلال الأعوام الماضية.
و من المقرر ان تقوم القنصلية بعد الانتهاء من هذه العملية بتعريف المراکز الصحية المرخصة و ذات الجودة العالية بالتعاون مع وزارة الصحة الإيرانية إلی المرضی و السياح العراقيين من خلال مطار مشهد، محطة القطار و الحافلات إلی العراقيين الوافدين.
و بالنظرإلی هذه المبادرة سنسلط الضوء في هذا التقريرعلی شرح وضعية السياحة العلاجية في ايران و مشاکل المرضی العراقيين و دور السماسرة.
تحتل السياحة العلاجية مکانة مرموقة في الکثير من الدول الراقية و التي تعرف بجودتها في مجال الخدمات الطبية. هناک تعاريف کثيرة للسياحة العلاجية لکن منظمة السياحة العالمية (UNWTO) تقوم بتقديم هذا التعريف: السفر إلی المراکز العلاجية خارج منطقة إقامة الشخص لمدة تزيد علی اکثر من 24 ساعة لغرض علاج الأمراض الجسمية أو عملية جراحية ما تحت إشراف الأطباء في المستشفيات أو المراکز العلاجية.
لذلک الکثير من الدول تعتبر السياحة العلاجية فرصة جيدة لتحسين الوضع الإقتصادي للبلد. و من بين البلدان التي عرفت بوجود مراکز طبية رصينة و اطباء کبار هي إيران حيث يأتيها عدد کبير من المرضی من الدول الجارة لغرض تلقي العلاج فيها. و تستفاد إيران من ظاهرة السياحة العلاجية لتحسين وضعها الإقتصادي، خصوصا في ظل الأزمة الإقتصادية التي تواجها. و قد أدرکت ايران انها تستطيع الترکيزعلی القطاع السياحي الطبي من أجل انعاش اقتصادها. عضو لجنة الصحة في مجلس الشوری الإسلامي الإيراني النائب رسول خضري يقول في تصريح إلی وکالة ” خانه ملة ” الإيرانية ان ايرادات السياحة العلاجية ثلاثة أضعاف أکثر من السياحة العادية و الملفت إن ثلث هذا المبلغ يعود فقط إلی القطاع الصحي و الباقي هو من حصة قطاع الفنادق و النقل.
و يشير النائب الإيراني إلی نقطة هامة و هي إن اهمال الجانب الحکومي للسياحية العلاجية تسببت بظواهر سلبية منها وجود السماسرة الذين يقومون بجلب المرضی من الدول المجاورة مثل العراق لغرض العلاج و استغلال ظروفهم في ظل عدم وجود مخططات حکومية واضحة.

کما يقول الخبير في شؤون التخطيط السياحي باييز رحماني لوکالة انباء خبرنکاران جوان (الصحفيين الشباب) ان 99 في المئة من السياح الذين يأتون إلی مدينة أهواز الإيرانية هم من العراقيين و الباقي من الکويت و سلطنة عمان و يضيف باييز ان المرضی العراقيين يأتون إلی إيران من خلال السماسرة المتواجدين علی الحدود أو اشخاص داخل المدينة. لکن العراقيون انفسهم يفضلون الإعتماد علی السماسرة و الکثير من المراکز الرسمية التي لديها تراخيص رسمية للعمل في هذا المجال لا تستطيع المنافسة مع هؤلاء السماسرة.

القاء نظرة سريعة إلی التقارير التي تصدرها الجهات الإيرانية تظهر إن الوضع في مدينة مشهد ثاني کبری المدن الإيرانية اسوء للمرضی العراقيين من مدن أخری مثل أهواز بسبب ظاهرة الاستغلال و السماسرة الموجودين المتاجرين بصحة المواطن العراقي الذي يختار هذه المدينة لغرض تلقي العلاج.
هناک عدة أسباب تجعل مدينة مشهد واجهة رائعة للمرضی العراقيين. وجود مرقد الإمام الرضا عليه السلام و دمج السياحة العلاجية بالسياحة الدينية، وجود مطار دولي و خط طيران مباشر بين عدة مدن عراقية و مشهد، وجود الکثير من المصايف و مئات الفنادق الفخمة و الأسواق و الحدائق المائية العملاقة فيها وغنائها بمراکز طبية راقية و عصرية کونها ثاني کبری المدن الإيرانية بعد العاصمة طهران يجعل المدينة واجهة ممتازة للمريض العراقي حتی يتجه اليها. لکن کل هذه النقاط الإيجابية و العدد الکبير للمرضی العراقيين الذين يأتون اليها و يقدر عددهم 450 الف عراقي سنويا، تخلق ايضا ظواهر سلبية من ضمنها وجود السماسرة داخل مشهد أو في العراق و تدخلهم في ملف علاج المريض حيث هناک اکثر من مئة شکوی كشفت عنها التقارير الإعلامية الإيرانية للمرضی العراقيين في مدينة مشهد بسبب سوء العلاج و الأسعار الباهضة و استغلالهم.
فمن الطبيعي ان هذه الفرصة التي تکمن ورائها ملايين الدولارات تثير اطماع السماسرة الذين لا يهتمون قيد نملة إلی البشر و السائح العراقي.
عندما نقارن تصريحات رئيس الأمانة العامة للمؤتمر الدولي الأول للسياحة العلاجية للدول الإسلامية في مشهد حسن طباطبائي عام 2010 عن خروج 15 الف مواطن عراقي إلی الخارج آنذاک لغرض العلاج و إن ايران هي الواجهة الرئيسية و نقارن ذلک العدد بالعدد الحالي نستدرک حجم الإيرادات التي تدخل جيوب السماسرة العراقيين و الإيرانيين خلال الأعوام الأخيرة و الأسباب التي ظهرت خلالها مافيا السياحة العلاجية ليس فقط في ايران بل في العراق ايضا.
الملفت للنظر ان العدد الذي تحدث عنه طباطبائي عام 2010 وصل إلی 450 الف عراقي جاؤوا إلی ايران في عام 2018 من أجل العلاج و هؤلاء 17 بالمئة من اجمالي المجموع الکلي للسياح العراقيين في ايران وفق تصريحات السفير الإيراني السابق في بغداد حسن دانائي. و الأکثر ملفتا هو أن نعرف ان هذا العدد کان 374 الف مريض قبل عامين کما صرح معاون وزير الصحة الإيراني محسن أسدي. و هذا يؤکد علی أن ايران مازالت الواجهة الرئيسية للعلاج لدی العراقيين و للوسيط العراقي الذي يتجول حول البعثات القنصلية الإيرانية في بغداد و باقي القنصليات الإيرانية ويترصد للمريض العراقي الذي يذهب إلی السفارة من أجل الحصول علی التأشيرة، دور فاعل في جر هؤلاء المرضی إلی مراکز صحية إيرانية غير مرخصة تقوم بسحب أموال المريض و تقديم خدمات علاجية ضعيفة و سيئة.
و اذا عرفنا ان المرضی العراقيين صرفوا 700 مليون دولار تقريبا في ايران قبل عامين من أجل العلاج من أصل مليار و مئتي مليون دولار من مجموع ايرادات ايران من جميع السياح العراقيين آنذاک، ستظهر لنا الأسباب الحقيقية التي تشجع السماسرة و مافيات العلاج السياحي في العراق و ايران للتنافس بينهما من أجل کسب ارباح مضاعفة دون الإهتمام بالخدمات العلاجية للسائح العراقي و وسط فراغ حکومي.
و بکل أسف لم تنجح جميع المبادرات الرسمية السابقة لوضع حد إلی ظاهرة النصب و الإحتيال علی المرضی و يقول رئيس الأمانة العامة للمؤتمر الدولي الأول للسياحة العلاجية للدول الإسلامية حسن طباطبائي: إن بعض المراکز الصحية و بکل أسف، تقدم خدمات غيرجيدة و بأسعار مرتفعة للمرضی العراقيين دون الإهتمام بالأضرار البالغة التي سنواجهها خلال الأعوام القادمة. هناک بعض المرضی يشکون من تلک الخدمات، لکن نحن نسعی لتقديم الخدمات وفق المعايير العالمية و بأسعار أرخص.
و أشار طباطبائي إلی عقد اتفاقيات مشترکة بين المسؤولين في وزارتي الصحة الإيرانية و العراقية لوضع حد لقضية استغلال المرضی العراقيين في ايران و قطع الطريق علی الأيادي الغير مرتبطة بمراحل علاج المرضی الأجانب في ايران.
کما لا يخفی الهلال الأحمر الإيراني مساعيه من أجل تحجيم ظاهرة السماسرة و التعاون مع الجانب العراقي حيث يقول مساعد شؤون العتبات المقدسة في دائرة الطبابة بالهلال الأحمر الإيراني علي حيدري: تلقينا العديد من التقارير عن عمليات نصب و إحتيال بشأن المرضی العراقيين الذين يأتون إلی ايران بغرض العلاج و الأسعار الباهضة التي يدفعونها لهؤلاء للمحتالين و السماسرة. لدينا مشروع لإستقبال المرضی العراقيين من خلال مراجعتهم إلی الهلال الأحمر العراقي و ارسال ملفهم الطبي إلی الهلال الأحمر الإيراني من أجل تقليص أجور العلاج و استخدام اطباء و فريق طبي متخصص.
لکن کل هذه التصريحات و الإتفاقيات لن تحصد ثمارها حيث السماسرة مازلوا في الواجهة الأمامية في ملف السياحة العلاجية و المريض العراقي الذي ينوي الذهاب إلی إيران لن يری أحدا ليرشده إلا العصابات العراقية التي تتربص له في بلده و من ثم السماسرة و المترجمين الإيرانيين الذين يتعاملون من المراکز السيئة أو التي تريد النصب علی المرضی.
ولذلک لايستبعد إن تلك العصابات هي التي تقف وراء جزءا کبيرا من الحملة الإعلامية المشوهة ضد البعثة السياسية العراقية في مدينة مشهد التي قامت بالتخطيط من أجل استطلاع المراکز العلاجية المرخصة و الأفضل في السعر و الجودة لغرض إعلانها للمرضی العراقيين لمنع وقوعهم في فخ المترجمين و السماسرة.
و لايخفي رئيس جمعية السياحة العلاجية الدکتور محمد جهانغيري في تصريحه لوکالة انباء ايسنا الإيرانية وجود اشخاص غيرمعنيين بمجال العلاج يتربصون للمرضی الأجانب الذين يأتون إلی ايران و يقول: هناک اشخاص دخلوا هذا المجال خارج الإطارات القانونية في البلد. هؤلاء يقومون بالخلل في نظام معالجة المرضی و يتواجدون في الحدود و بعضهم داخل العراق. يجب علی هؤلاء الوسطاء تبني ملف المريض و عدم ترکه. بکل أسف يقدم هؤلاء نصائح و إرشادات غيرصحيحة تضر بصحة المريض و تشوه صورة البلد.
و يروي مراسل وکالة الأنباء الإيرانية مشاهداته خلال حضوره في السفارة الإيرانية في بغداد حيث يقول: شاهدت اشخاص يتجولون منذ الصباح الباکر بالقرب من السفارة و عندما استفسرت السبب عرفت ان هؤلاء سماسرة يقومون بإقناع المرضی العراقيين لإرسالهم إلی ايران حيث ينتظرون المواطن الذي يخرج من القسم القنصلي للتحدث معه.
و يضيف المراسل إن المرحلة الثانية من الرحلة العلاجية تبدأ في ايران. المريض الذي يأتي إلی إيران دون التنسيق مع السماسرة في العراق، سيلتقي بسماسرة إيرانيين في مدن کبيرة مثل طهران و مشهد و تبدأ المشاکل من هنا عندما يقوم السماسرة و المترجمين بأخذ هؤلاء إلی مراکز صحية غير جيدة و بأسعار غالية جدا.
و تشير التقارير الميدانية إلی حصول السماسرة و المترجمين علی 30 بالمئة من أجور العمليات الجراحية من المرضی. علی سبيل المثل الوسيط يستلم 3 آلاف دولار من المريض أو المرکز الصحي للعملية التي تکلف 10 آلاف دولار و يدفع المريض 13 الف دولار علی تلک العملية! ناهيک عن المراکز التي غيرمرخصة أو لا تمتلک الجودة العالية في مجال العلاج.
و تحتاج هذه الفوضی إلی جهود علی مستوی الرسمي بين البلدين من خلال اتفاقيات جادة بين وزارتي الخارجية و الصحة و السفارات العراقية و الإيرانية و المبادرة التي قامت بها القنصلية العراقية في مدينة مشهد هي بداية لهذا المشوار العلاجي.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close