في ادب الحياة : في الحب سبب كاف لتبرير وجودنا

* د. رضا العطار

على الرغم من اننا نحب (الاخر) لذاته هو لا لذاتنا نحن، الا اننا نشعر في الوقت نفسه بان حبنا للأخر هو الذي يخلع على وجودنا (معنى) ، وهو الذي يضفي على حياتنا (قيمة). وآية ذلك ان الحب كثيرا ما يتخذ من حياتنا طابع (الكشف الوجودي) : اذ يشعر المرء بانه يكتشف ذاته في اللحظة التي يخرج فيها من ذاته لكي ينفذ الى عالم (الأخر). واذا كان الانسان في حاجة الى (الأخر) فذلك لأن (الأخر) وسيط ضروري بينه وبين نفسه ! ونحن نشعر في العادة باننا (زائدون عن الحاجة) على حد تعبير الفيلسوف الوجودي سارتر، الى ان يجيء الحب فيجعلنا نهتدي الى (مبررات وجودنا) في الشخص الاخر ! وهنا يظهر الارتباط الوثيق بين (الوجود للذات) و(الوجود للغير).

فان المرء (لايوجد لذاته) حقا، اللهم الا بمقدار ما (يوجد للأخرين) ! وهذا هو السبب في ان الانسان قلما يرى في الحب مجرد لهو او عبث وكأن تجربة الحب هي خبرة عابرة لا قيمة لها في حياته بل يرى في الحب سببا كافيا لتبرير وجوده وغاية كبرى يسعى في سبيل الوصول اليها – – – فالحب صورة من صور الادراك الحسي نستطيع عن طريقها ان نرى ارضا جديدة وسماوات جديدة دون ان نفارق موطن عيشنا. وربما كان هذا هو السر الاعظم في الحب، فاننا ما نكاد نحب حتى نشعر بان العالم نفسه قد تغير من حولنا ان لم نقل باننا انفسنا قد اصبحنا مختلفين.

لسنا نحن نفطن الى هذه الحقيقة بل ان هناك كائن آخر يفطن اليها ويعرفها حق المعرفة – – – انها هي المرأة، التي تلعب دورا محوريا في حياتنا. لانها هي التي تاخذ بيدنا في السبيل المؤدي الى معرفة الذات – ومعنى هذا ان المرأة تمثل بالنسبة الى الرجل وسيطا ضروريا بينه وبين نفسه، كما ان الرجل يمثل بالنسبة الى المرأة وسيطا ضروريا بينها وبين نفسها.

لكن بيت القصيد في الحب انه تجربة وجودية عميقة تنتزع الانسان من وحدته القاسية الباردة لكي تقدم له حرارة الحياة المشتركة الدافئة. ونحن (نحب) في العادة لاننا لانستطيع ان نحيا (بمفردنا) ولأننا لا نضيق بشئ قدر ما نضيق بالعزلة. ولو قدر لنا ان نتمتع بقوة مطلقة نستطيع معها ان نسيطر على الكون المادي باسره دون ان يكون الى جوارنا بشر نستمتع بحضرته، لما وجدنا لحياتنا اي معنى ولما كان لوجودنا اي مبرر. وآية ذلك اننا في حاجة الى عالم مشترك نتقاسم فيه الحياة مع غيرنا من الذوات لدرجة اننا قد لا نستطيع ان نتصور عالما يخلوا تماما من البشر – – – وفي هذا السياق يقول الفيلسوف الالماني الشهير هيدجر : ( (ان الوجود بدون الاخرين هو نفسه صورة من صور (الوجود مع الاخرين، فهل من عجب في ان يكون – الحب – قيمة انسانية كبرى تقترن بحساسية اخلاقية هي ما اطلقنا عليه اسم – الاحساس بالاخر – )

* مقتبس من كتاب فلسفة الحياة، د. زكريا ابراهيم، جامعة القاهرة

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close