مظاهرات ذو السترات الصفراء وصعوبات الانتفاضة -1

د. حامد السهيل
كانت زيادة ضريبة المحروقات التى اعلنت عنها الحكومة الفرنسية بمثابة “القشة التى كسرت ظهر البعير”, هذه الضرائب لم تكن جاءت ضمن حزمة القوانين التى اخذت تطلقها حكومة الرئيس ماكرون, خاصة بما يتعلق “باصلاح قوانين العمل” التى ترمى الى تعطيل الحقوق التى حصل عليها العمال الفرنسيين خاصة فى رفض العقود الدائمة التى تسمح لاصحاب العمل بتسريح العمال واستخدامهم لفترات قصيرة وفرض ساعات عمل اضافية دون الالتزام بالحد من الااعداد الهائلة من العاطلين عن العمل, على اى حال فان نهج ماركون فى اصلاح قوانين العمل يقوم على حركة اصلاح قوانين العمل فى المانيا فى فترة المستشار “كرهار شرودر” فى المانيا التى كانت مجحفة بحق العمال والمستخدمين والتى مازالت سارية لحد الان. ان انعكاس نتائج هذه القوانين كانت وما زالت كارثية على الحزب الاشتراكى الديمقراطى فى الانتخابات القومية والاقاليم والتى لم تتجاوز 20% م
صوات الناخبين.
ان المعنيين بارتفاع ضريبة المحروقات لا يقتصر على اصحاب السيارات وخاصة الذين يستخدموا سيارات الديزل الذين تبلغ نسبتهم فى فرنسا حوالى 60% وانما ايضا الريفيون وسكان المدن الذين بسبب الايجارات المرتفعة يرحلوا الى الضواحى, بالاضافة الى سيطرة القطاع الخاص على المعروض من الشقق والمنازل. ان السيارة بالنسبة لهذه الشرائح الاجتماعية وسيلة ضرورية للعمل والحياة. ان مظاهرات ذو السترات الصفراء الذين نزلوا الى الشوار ع بعفوية كبيرة دون ان يكون لها قيادة او تنظيم محدد عطلوا حركة المرور وقطعوا منافذ الشوارع وقابلتح الحكومة بشرطة الطوارىء المعروف بعنفها وخبرتها والمسلحة والمجهزة بخراطيم المياة والغازات المسيلة للدموع, تمثل احتجاجا صارخا ضد التدنى المستمر نسبيا ومطلقا للمستوى المعيشى لشرائح واسعة فى المجتمع الفرنسى الذى بدات ملامحه منذ بضعة سنين, انهم يحولوا وضعهم الاجتماعى المتردى الى ممارسة اجتماعية وارادة شعبية ضد ماركون وسياسته لصالح البنوك واصحاب العمل والاغنياء: ان سماحات ضريبة تقدر بـ ملياردات , بالاضافة الى تخفيض الضرائب الى 20% بعدما كانت 33%, انهم يسمونه ” رئيس للاغنياء”.
لقد حققت انتفاضة ذو الشترات الصفراء نجاحات باهرة, ان الحكومة تراجعت عن مرسوم ضريبة المحروقات بالاضافة الى رفع الاجور الحد الادنى للعمل وتحسين قطاع التعليم ومستوى الخدمات بشكل عام خاصة الخدمات الصحية ووسائل النقل والمطالبة برفع مخصصات التعاقد كما ارتفعت الاصوات بجعل الحد الادنى للرواتب بـ 1700 يورو. هذه الانتفاضة شملت قطاعات واسعة من المجتمع الفرنسى كما انها ما زالت قائمة ولكن بوتائر اقل قوة وحماس.
عاشت فرنسا فى منتصف الستينات من القرن الماضى, كما حصلت حركة الاحتجاج فى العالم الرأسمالى بشكل خاص حركة احتجاج كبيرة وفاعلة من الطلبة والشباب فى البداية فى الجامعات ولقيت تاييدا واسعا من الشباب والمثقفين. كانت حركة الاحتجاج تطالب بحركة اصلاح النظام الجامعى والمطالبة بمساحات وفضاءات للحرية وابداء الراى ونقد صارما للانظمة التربوية والعلاقات الاجتماعية القديمة والنخبة الحاكمه الصارمة التى ما زالت تعيش على امجاد المقاومة وتحرير فرنسا من النظام النازى. ان هذه الانتفاضة بالرغم من تكوينها النخبوى فقد كانت تطلعاتها ومطاليبها تقوم على نقدا حاد قويا للنظام الرسمالى ووسائل فى افساد الرأى العام وبلورة وعيا مشوها نحو نظرية نقدية لبناء المجتمع فى اطار نظام اشتراكى بعيدا عن تجارب اشتراكيات الدولة فى الاتحاد السوفيتى والصين الشعبية او كوبا يلبى حاجيات المواطنيين فى فضاءات وتشريعات ديمقراطية واشتراكية. ان حركة الطلبة والشباب استطاعت نسبيا ان تبعث حركة فى نظام الدولة واساليبه مما اضطر الجنرال ديغول لاعلان انتخابات جديدة قد فاز حزبه فيها واستطاع ان ينهى الحركة ولكن بتشريعات جديدة فى الاجور والخدمات.
كانت حركة الطلبة والشباب بالغة الاهمية فىكسر الحواجز المتصلبة الى قضى عليها الزمن فى التربية والتعليم والحريات والحقوق المدنية. ان حركة الطابة قد قدمت وعيا جديدا لقيمة الانسان واهمية ممارسة الفكر الحر والحرية وامكانية التضامن من اجل الوصول الى عددا من الاهداف والمشاريع. ان الحريات التى يتمتع بها الفرنسيون منذ سنين وتنوع الافكار وامكانيات البدائل هى من نتائج حركة الطلبة والشباب.
بعد حولى خمسون سنه( 1968- 2018) تتبلورت اخيرا حركة شعبية واسعة بعد مخاضات طويلة وعسيرة. ان رووساء الجمهوريات منذ تنحى الجنرال ديغول وحكوماتهم قد ساهموا فى التردى المستمر الذى حصل فى المستوى المعيشى للفرنسيين بما يشمل البنية التحتية خاصة لمختلف مراحل التعليم والخدمات الصحية ومشاريع السكن الاجتماعى التى تناست الحكومة فى القيام بها وتركة حق السكن فى رحمة الشركات الكبيرة والاغنياء, ان اليبرالية الاقتصادية بصيغتها المستحدثة قادت الى فوضى حركة الرأسمال وبالتالى الى الازمة المالية العالمية 2008 والتى عالجتها الحكومات بمليارات الضرائب التى يدفعها المواطنيين, هذا بالاضافة الى نظام العولمة والتكنولوجيا الحديثة التى اخذت تسيطر على الحكومات بشكل عام وتفرض عليها شروطها والتى لا تقف عن ابتكار اساليب جديدة فى االابتزاز والاستغلال والاحتكار على مستوى العالم.
د. حامد السهيل 6/ 1/2019

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close