قراءة في ( عالم الغيب والشهادة ) العلوم الغيبية. والعلوم المشهودة.

العلوم الحسية التي أنتجتها التجارب البشرية على مر العصور هي العلوم المتفق على أساساتها ونتاجاتها عند علماء أهل الارض جميعا. تراكمت معارفها عبر العصور وتطورت نتائجها مع الأجيال. فهي العلوم التي قطع العلماء في صحتها وتوافقت نتائجها بشكل دقيق وقدر عالِ من توحد المعطيات. كالرياضيات والفيزياء والطب والفلك والهندسة وغيرها من بقية العلوم.

فنرى ان اتفاق العلماء على كلياتها في المناهج والنتائج.

بما لا يدانيه الشك. فلا تعارض بين علماء هذه العلوم من حيث الأساسات والمناهج والنتائج في كل حواضر المعمورة. فَلَو ذهبا الى طوكيو وبرلين والقاهرة و واشنطن وبغداد وغيرها من العواصم لن نجد اختلاف في المسميات والأساسات والمعطيات والنتائج. لان تراكم واستمرار التجارب والخبرات على منهج ونسق واحد أوجد الوحدة و الاتفاق والقطع بإمكانات ورصانة هذه العلوم وصحتها وفوائدها. فالطب كعلم هو هو مهما اختلفت الأمكنة. ص

أشار الكتاب الكريم في قوله تعالى ( عالم الغيب والشهادة )كعالميين مختلفين ومتغايرين. لا يمكن المساواة بينهما. وكما هو معروف في اللغة ان حرف العطف الواو يستلزم المغايرة. ثم فسر أهل التفسير عالم ( الغيب ) اي ان الله يعلم ما غاب عن حواسكم من نواميس ما قبل وبعد الحياة. كبداية الخلق والحياة. وما بعد الحياة كالموت وما بعده. ويسمى الوصول الى مداركها (بالحجة )

وعالم (الشهادة )اي كل ما هو مشهود ومحسوس من نواميس الحياة. والشهادة المشار لها هي العلوم التي اتفق عليها علماء العلوم الحسية التجريبية وعلماء الأديان والفلسفة على حد سواء. ويسمى الوصول الى نتائجها بعد التحصيل والجهد بـ (الدليل)

ان العلوم المفارقة للحس والتجربة. كالفلسفة وعلم الكلام وتفاسير احوال الأديان كالنبوات والوحي وأحوال مابعد الحياة كالموت والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار. كانت ولا زالت مختلف فيها. لانها تُأخذ بالمدارك العقلية.. ومع وجود اختلاف الفلسفات والأديان اختلفت باختلاف العلماء فيما بينهم في فهمها وتفسيراتها. بل ونجد الخلاف والاختلاف في داخل المدرسة الواحدة او الدين الواحد. وهي المشار اليها في الكتاب الكريم بـ (الغيب ) اي انها خارج الحس الإنساني..

يستدل بعض علماء الفلسفة وعلماء الأديان على صحة ما وصل اليه من نتائج على انها الصحاح الوحيدة دون سواها. رغم وجود التعارض فيها من داخلها . وتعارض العلماء فيما بينهم عليها. بل ان بعض أهل العلوم الغيبية المفارقة للحس يعتبرون ان علومهم هذه مساوية او حتى أفضل للإنسان من العلوم الحسية المتفق عليها !! وذهب بعضهم للاستدلال بالمساواة بقولة.

(مراجعة الناس لنا كمراجعة المريض للطيب)

وتصح هذه المقولة اذا كان هناك اتفاق على الأساسات والنتائج والمعطيات عندهم كما اتفق علماء الطب على والأساسات والمعطيات.

أن الخلط عن معرفة لدواعي التسويغ او عدم معرفة بين مواضيع العلوم المتفق عليها بين جميع علماء الارض. وبين مواضيع العلوم غير المتفق عليها داخل هذه المدرسة الواحدة في علوم الفلسفة والأديان. كشف للناظر صور الامتهان والمزايدات والاحتكار والتوظيف بضعف المدعيات والحجج والنتائج. فلا يصح باي حال من الأحوال ان نقول الفلسفة كالكيمياء. او الفقه كالهندسة.

هم مطالبون بالمراجعة وتوحيد الحجج كما توحدت ادلة علماء علوم التجربة المشهودة الرصينة. اوعلى اقل تقدير بالمقاربات العلمية بين هذه العلوم وتلك. حتى نستطيع ان نقول ان الفقية كالمهندس. والفيلسوف كالطبيب. وهذا لا يعني ان الناس قد استغنت عن المتكلمين والفلاسفة ورجال الدين لمجرد انهم ادعوا ما ادعوه. بل اعتقد ان حاجة الانسان للدين والفلسفة والأدب. حاجة لا يمكن الاستغناء عنها باي حال من الأحوال. لكن دواعي الإنصاف تقتضي ان نسمي الأشياء بمسمياتها لنعطي لكل ذي حق حقة بالإشارة والتنبيه والكلمة الطيبة. راحة لضمائرنا وانصافا لغيرنا. وتقديرا لمن اثبت انه المتقدم على غيره في تسميات العلوم. فنفرق بين ( الغيب والشهادة )

حيدر التميمي.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close