تحرك إيراني لتأسيس “جبهة مقاومة” عراقية للأميركيين منوّعة طائفياً

الموصل ــ زيد سالم
19 يناير 2019

ترفض غالبية سكان المدن العراقية المحررة من سيطرة تنظيم “داعش” الأفكار المتشددة والمتطرفة، الدينية منها أو المذهبية، وحتى بما يتعلق بالسياسة، مع إفراز التجربة المريرة التي عاشها العراقيون تحت حكم “داعش” ظواهر اجتماعية إيجابية، مثل إسكات المتحدثين بلهجة “إقصاء الآخرين، مهما كانت الحجة”. ويظهر في مدن نينوى والأنبار وصلاح الدين وكركوك رفض واضح للطرح المتشدد وتبدد آثار “خلافة داعش” بالإضافة إلى نبذ المتطرفين والتبليغ الأمني عمّن تقترب أفكاره إلى مرحلة التخطيط وتنفيذ أفعال إقصائية أو إرهابية.
وعلى الرغم من أن التنظيم الإرهابي في العراق لم يدم إلا ثلاث سنوات (2014 ــ 2017)، إلا أنه استقطب عدداً من المراهقين والأطفال، في محاولة لتجنيدهم وإقناعهم بما يُعرف بـ”دولة الخلافة”، وهو ما أضفى على مهمة إعادة تأهيل هؤلاء المراهقين عبر مراكز نفسية، ودورات اجتماعية توعوية، صعوبة واضحة، بسبب قلة هذه الورش من جهة وكثرة أعداد الضحايا من جهة أخرى، حسب مسؤول عراقي في بغداد.

وقال المسؤول في حديثٍ لـ”العربي الجديد” إن “أفكار داعش أخذت تنتهي في المناطق التي سيطر عليها التنظيم خلال السنوات الماضية، ورغم أن المدن تعرّضت لدمار كبير، إلا أن الأهالي فيها يكافحون بطريقتين، الأولى هي بناء مدينتهم، والأخرى متمثلة بتنظيف المدينة من المتطرفين الذين يسعون إلى إقصاء الأديان الأخرى والمذاهب”. ولفت إلى أن “الأهالي تكفّلوا وحدهم بمنع امتداد التطرف الفكري، وليس فقط على صعيد التدين، إنما بمختلف مجالات الحياة. وهذا يدل على مدى فظاعة ما وقع عليهم خلال فترة حكم تنظيم داعش والبلاء الذي حلّ عليهم”. وأضاف أن “السكان في تلك المناطق يتفاعلون مع قوات الأمن ويحاولون رصد أي متعاون سابق مع داعش أو أي شخص يتبنى أفكاره”. وضرب على ذلك مثلاً بالقول: “حتى إن رفض تزويج شاب بسبب فكره المتطرف صار أمراً معروفاً هناك، وهو ما يعد ممتازاً، فالناس هناك عايشوا المتطرفين وعلموا أنهم لا يصنعون الحياة”.

من جانبه، قال عضو المجلس المحلي في مدينة نينوى حسام العبار، لـ”العربي الجديد”، إن “السلوك الذي انتهجه تنظيم داعش في الموصل وباقي المناطق التي سيطر عليها بالسلاح، والتي انتهت بالدمار والخراب، ولّد رد فعل لدى الأهالي برفض التطرف والأفكار المتشددة، لا سيما وأن المدينة معروفة بأنها صاحبة علم ودين وأصول، والتنظيم الإرهابي عمل خلال فترة وجوده فيها على تشويه هذه الصور التي تعبر عن احترام الآخرين والتنوع الثقافي”. وأوضح أن “دائرة الأوقاف في المدينة تعالج التطرف عبر خطب دينية موحدة تطلق عبر المنابر، وبالتنسيق مع علماء، في سبيل أن يكون الخطاب الديني عقلانياً وبعيداً عن أي مظاهر التطرف والتأكيد على قضية السلم المجتمعي”.

إلى ذلك، كشف المسؤول المحلي في محافظة الأنبار، فهد الراشد، أن “الطابع العشائري هو طابع المدينة البحت، أي أن التطرف والطائفية والعنصرية ليست من صفات الأهالي، وأن أبناء المحافظة هم أبناء قبائل لها امتداد في محافظات الفرات الأوسط والجنوب، ولكن تنظيم داعش عمل على تكريس الطائفية والعنصرية وقتل الآخر المخالف لرأيه، ولكنه مع ذلك فشل في الاستمرار”. وأكد لـ”العربي الجديد” أن “مجتمع الأنبار لم يسمح خلال السنوات الماضية لمن حمل الشعارات الطائفية من السياسيين والشخصيات العامة، ولكن الأحداث توالت على المدينة بسبب تفاقم الدعوات الطائفية من شخصيات لم تكترث لمصائر الناس، بل اهتمت لمصالحها الشخصية. وبعد عمليات التحرير التي قادتها القوات العراقية ضد تنظيم داعش، تكاتف الأهالي مع الأجهزة الأمنية والحكومة المحلية والمجتمع الدولي، من أجل القضاء على مخلفات التنظيم الحربية والفكرية”.

وأردف قائلاً إن “الأنبار تُعدّ أكثر مدينة تعرضت لاحتلال داعش وتخلصت من آثاره، وهي الأسرع من ناحية التقدم بمراحل إعمار المناطق المحررة، وإن أغلب الذين تأثروا وانخرطوا مع صفوف “داعش” هم بالأصل بعيدون عن المجتمع الأنباري، وأهل الأنبار يعرفون الذين انتموا للتنظيم، فغالبيتهم كانوا قطاع طرق وسارقون”. وأشار إلى أن “الحكومة المحلية تعمل حالياً مع المؤسسات الدينية والتربوية من خلال وزارة التعليم العالي والوقف السني ودواوين العشائر، على حملات توعية واسعة ضد التطرف”.

أما في محافظة صلاح الدين، فقد أكد المشرف التربوي حمزة عبد الصمد، أن “الأهالي رفضوا التنظيم منذ بدايته، لا سيما وأنه حين دخل إلى المدينة شرع بإعدام كل من خالفه الرأي بالإضافة إلى الشرطة والفنانين، مع العلم أنه خاطب الناس على أساس أنه سينقذ المدينة وتضمين مبادئ العدالة واحترام الناس، ولكن قوة التنظيم وحمله للسلاح، والوحشية التي لا تفرق نشاطاته، جعلت المواطنين لا يعلنون رفضهم الصريح للإرهابيين”. وقال لـ”العربي الجديد” إن “دائرة تربية صلاح الدين تدرس حالياً إدخال مناهج تحارب التطرف وتدعو للحرية والمساواة في المجتمع، وتسعى لطرح الفكرة على وزارة التربية في بغداد، لأن الأطفال قد يحملون الأفكار والمشاهد التي شاهدوها أيام سيطرة داعش حين يكبرون، وقد تؤثر هذه المشاهد على أدمغتهم مثلما تؤثر أفلام الأكشن والمصارعة وغيرها”.

من جهته، أشار الباحث الاجتماعي وليد الحنطي إلى أن “التطرف لم ينته في العراق بشكل تام، لكنه انخفض بشكل كبير، خصوصاً في المناطق التي كانت تحت سيطرة التنظيم، أو المدن العراقية (الشيعية) التي كانت تحت سيطرة الأحزاب الإسلامية، فهذه الجهات منعت المواطنين من ممارسة أعمالهم بكل حرية، وفرضت عليهم أفكاراً متطرفة. مع ذلك، فالحكومة وضعت برامج من أجل ذلك، بالتعاون مع الأمم المتحدة”. وأضاف لـ”العربي الجديد” أن “الأشخاص المتطرفين لا يمكن القضاء عليهم، ولهذا من الممكن جداً إنشاء جماعات أو تنظيمات متطرفة مثل داعش، أو ربما تكون متطرفة بشكل أكبر وخطير، فعملية القضاء على الفكر المتطرف صعبة جداً، خصوصاً أن العراق يفتقر إلى آليات ذلك العمل، الذي هو بحاجة إلى مراكز لخبراء بهذا المجال”.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close