اقزام الطاغية المقبور ما بين العودة الاعلامية والاندحار الفعلي

فارس عبد الوهاب امين

يكثر الحديث بالاونة الاخيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن مساعي عودة اقزام الطاغية المقبور خاصة وان مغذيات هذا السيناريو شددت تركيزها على اظهار بعض اللقطات للاجتماعات التي نظمها بعض الفضلات الصدامية في عدد من الدول العربية والغربية في محاولة لتضليل الرأي العام وتشتيته تزامنا مع حملة الكترونية منظمة لتمجيد وتعظيم سنوات الذل والمهانة التي حكم بها الطاغية هدام العراق وفعل ما فعل من تدمير وقتل وتشريد وتهجير لهذا الشعب والوطن الذي ما زال يأن من وجع تلك السنين.

من المعروف أن حزب البعث تأسس على يد ميشيل عفلق وفريقه من البعثيين وبدعم مالي واستخباراتي ولوجستي من قبل الدول الكبرى لمواجهة المد اليساري الذي انتشر بصورة كبيرة وسريعة بالدول العربية والاقليمية عموما والعراق خصوصا منذ نهاية الحرب العالمية الاولى.

فقامت بعض تلك الدولة بدعم الحركات المشبوهة وتنصيب الدكتاتوريات القومية مثل جمال عبد الناصر في مصر والشاه محمد رضا بهلوي في ايران وجمال اتاتورك في تركيا، سعيا منها لوضع خطة محكمة للقضاء على اي حركة وطنية مستقلة وشعبية سواء في العراق والدول العربية والاقليمية.

وعملت بشكل فعلي نحو تحقيق اول اهدافها لمقدمات انهيار التيارات الوطنية والشعبية بدعم حزب البعث اللقيط ومساندته لتنفيذ الانقلاب الغاشم اللعين الدموي في 8 شباط عام 1963 وحث الحزب على قتل وتصفية كافة العناصر الوطنية لاسيما الحركات اليسارية، ونتيجة للممارسات البعثية المتوحشة أريقت دماء اكثر من نصف مليون عراقي اثر هذا الانقلاب الدموي بعد ان قامت مليشيات الحزب بسلب ونهب واغتيال المواطنين بقيادة الرفاق القذرين امثال اللقيط السياسي على صالح السعدي ومنذر الونداوي وصالح مهدي عماش واحمد حسن البكر وحازم جواد وغيرهم من البعثيين العملاء.

وبعد مرور خمسة عشر عاما على سقوط الطاغية وحزبه ومع الاختلاف الكبير من حيث الرؤية والتنظيم والاسلوب للاحزاب المدنية والشعبية والتقدمية التي تحكم العراق حاليا هل خارطة الوطن السياسية قادرة على استيعاب أي عودة لحزب البعث مع كل ما بعنقه من جرائم قتل وتعذيب وتشريد وتدمير؟ خاصة اذا وضعنا في الحساب ان حاجة الدول الكبرى للحزب قد انتفت بعد ان نفذ الحزب جميع المخططات التي جاء من اجل تحقيقها وفي مقدمتها القضاء على الحركات اليسارية وتمزيق الصف العربي وبناء جيل متطرف ومغلق فكريا وعقائديا.

ولابد هنا من الاشارة الى مسالة مهمة تتعلق باسلوب العمل التنظيمي للحزب، ففي زمن الطاغية كان وضع البعثيين من الناحية التنظيمية في غاية الذلة والمهانة من جميع الجوانب الامنية والاجتماعية والاقتصادية والاخلاقية، وخاصة المعيشية فقد كان الرفيق مدير المدرسة لا يتعدى راتبه الشهري ثلاثة الف دينا فقط على الرغم من الخدمات الكبيرة والتقارير والواجبات التي كان يقدمها للحزب، والان معظم البعثيين من يعملون في دوائر الدولة او المتقاعدين يتقاضون رواتب شهرية تصل الى ملايين الدنانير، اضافة الى ذلك فأن المسؤول الحزبي لهذا المدير قد يكون فراش يعمل في المدرسة التي هو مديرها، وكذلك الامر للرفيق برتبة لواء ركن فان الحزب جعل ضمن هيكليته التنظيمية نائب العريف مسؤولا حزبيا على هذا اللواء دون مراعات التراتبية العسكرية او الموقع الذي يشغله، والامر ينطبق ايضا على المدير العام في الوزارات والدوائر الحكومية من البعثيين، فهؤلاء الرفاق المدراء حتى لو كانت شهادة بعضهم دكتوراه فان الحزب اتاح لمعاون الملاحظ ان يكون مسؤولا حزبيا عليهم، ولم يقتصر الامر على الوضع الداخلي فحسب انما تعدى الى الخارج ايضا فكم سفير عين موظف عادي مسؤولا حزبيا عليه.

الان وبعد ان تحرر هؤلاء الرفاق الاقزام من هذه العبودية التنظيمية فمن الاستحالة على أي حزبي عاش في الخارج وتمتع بالحرية الفكرية والاجتماعية والمادية والاخلاقية التي منحته اياه الدولة التي يعيش فيها ان يرتضي على نفسه ان يعود الى قيد العبودي الصدامية، خاصة وان البعثيين ادركوا جيدا انهم كانوا مجرد اقزام بيد الطاغية هدام وجماعته المقربين الذين كانوا وحدهم يتمتعون بخيرات الوطن وينتهكون الاعراض اما بقية الرفاق فكانون يقتاتون على الفضلات التي يخلفها هدام واعوانه، وهو ما يجعل مسالة عودة اقزام الرفاق والتخلي عن تلك الحرية غير ممكنة ومستحيلة.

ولابد من الاشارة ايضا الى أن عدد كبير جدا من الرفاق الاقزام قد غيروا جلدتهم وافكارهم بعد عام 2003 وانخرطوا بسرعة الى اعتناق المذهبية والمظلومية ورفعوا شعار التهميش السياسي من اجل الدخول الى الدولة مرة اخرى من شباك الوطن وتبوئوا مناصب رفيعة وسخروا جميع صلاحياتهم وامكانياتهم لجمع الثروة والمنافع الشخصية وتوفير العيش البديل في الخارج بل ان بعضهم بات يشتم حزب البعث بشكل علني ويمنع أي فرصة لعودته.

وفق هذه المعطيات المبنية على التغيرات الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والمنفعية اذا صح التعبير، هل توجد فرصة ضئيلة لعودة اقزام الطاغية للعمل بنفس الترتيب؟ الجواب كلا والف كلا، خاصة وان معظم ابناء الشعب العراقي الواعين لخطورة المرحلة يدركون جيدا ان جزء كبير من الفوضى الحالية التي تعيشها البلاد هي وليدة سياسة النظام البعثي المقبور والتي لم يشهد لها مثيل بالمنطقة منذ الحرب العالمية الاولى ولحد الان.

اما ما نشهده من طروحات على الساحة السياسية ووسائل التواصل الاجتماعي هو محصلة لحرب شعواء ما بين اقزام الطاغية المقبور المطبلين والمهولين للعودة الى السلطة وهم يدركون ان هذا الامر مرفوض شعبيا ووطنيا واقليميا ودوليا، وبين فريق يدافع عن النظام الحالي وهو نظام الديمقراطية العرجاء والكسيحة بامتياز.

وفي تقديري ان النظامين اصبحا مرفوضين على كل الصعد والمستويات لانهما لم يقدما اي بصيص امل للعيش الكريم للمواطن العراقي.

والسؤال الذي يطرح نفسه الان وبقوة، ما هو المستقبل؟ واين تتجه بوصلة الوطن؟

تاريخيا تعد فترة حكم الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم الافضل والاكثر نزاهة ووطنية وشمولية لكافة القوميات والفئات العراقية واعتقد ان الشعب العراقي تعلم الدرس جيدا وادرك ان النزاهة والوطنية اساس بناء الوطن واعادة مسيرته الى الامام، وهذه المسألة ستكون موضوع دراستنا المقبلة.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close