ذكرياتي مع الفنان الكبير محمد القبانجي بمناسبة مرور 30 سنة على وفاته.

د. رضا العطار

الفنان محمد القبانجي، غني عن التعريف، فهو عميد المقام العراقي الذي لا يضارع، كما وانه الاول من ابتكر فكرة الجمع بين الآلات الموسيقية الحديثة مع آدوات الجالغي البغدادي، والتي كانت آلة العود فيها ابرزها. ومنذ ذلك الحين اصبحت كل نتاجاته الفنية فيما بعد معتمدة على هذه الصيغة الالية الجديدة، وقد تبعه في ذلك كل قراء المقام العراقي الذين جاءوا من بعده منذ نهاية الاربعينيات من القرن العشرين.
وقد كان الدافع الاساسي لتوسيع حجم الجالغي البغدادي وتحويله الى فرقة موسيقية هو الحاجة الملحة لتضخيم الصوت الالي وايصاله الى الجمهور، خاصة بعد ان تحولت حفلات قراءة المقام مكانيا من المقاهي والمجالس الخاصة الى داخل صالات كبيرة.
اضافة الى ذلك مساهماته الفعالة في احياء حفلات المقام العراقي في الاذاعة العراقية منذ تأسيسا.
وفي بداية القرن العشرين ظهرت مدارس عديدة في مسيرة المقام العراقي، كان ابرزها طريقة خليل رباز ثم طريقة احمد زيدان – – ثم ظهرت طريقة قدوري العيشة، مولود عام 1861 والتي كان محمد القبانجي المحرك الاول على نقلها واشاعتها، ثم ظهرت فيما بعد طريقة رشيد القندرجي المولود عام 1886 – – بعد ذلك برزت طريقة محمد القبانجي المولود عام 1901 بعد ان اصبح له اسلوبه المميز – – – وعند دراستنا لهذا الموضوع، نلاحظ عدم ظهور مدرسة اخرى بعد مدرسة محمد القبانجي. وكان كل من جاء من بعده اما مقلدا لاسلوبه او مقلدا لاحد الاساليب القديمة.
اما الجانب الفني لممارسة القبانجي للمقام فقد كان له الدور الاول في ادخال بعض النغمات، مثل الحجاز والبيات في مقام الاورفه مع احتفاظه بالطابع البغدادي في الاداء والزامه بقواعد اللفظ والتعبير الى جانب مهارته الفائقة في التصرف والانتقال من مقام الى اخر بكل اقتدار.
فالاستاذ محمد القبانجي، فنان مجدد، ابتدع مقامات مثل القطر وطور الحويزاوي المنتشر في جنوب العراق وخاصة في محافظة العمارة، وادخل آلات حديثة لمصاحبة التخت الشرقي في اداء المقام بعد ان كانت مقتصرة على الجوزة والسنطور والنقارة والطبلة وهي المعروفة بالجالغي البغدادي – وقد تتلمذ على يد الاستاذ القبانجي جملة من كبار القراء والمتميزين امثال حسن خيوكة وعبد الرحمن خضر ويوسف عمر وشعوبي ابراهيم وحمزة السعداوي وناظم الغزالي.

يقول د. رضا العطار، عندما اطلعت في كتاب (الحرية والطوفان) لجبرا ابراهيم جبرا على حقيقة تاريخية خطيرة تقول بان الموسيقى الكنائسية ليوهان سبستيان باخ التي كانت تعزف في الغرب ابان القرن الثامن عشر كانت قد بنيت على قواعد، فيها شبه شديد بقواعد الموسيقى الشرقية، فالقاعدة الرئيسية في تركيبها هي التكرار والتردد طبقا لما هو موجود في مقاماتنا العراقية. لم يبق عندي ظل من شك بان موسيقى الكلاسيك لا بد وان يكون للانغام العراقية نصيب في ركائزها الاساسية، جائتها عن مصدرين هامين : ـحضارة العرب في الاندلس والحملات الصليبية الى الشام.

اول لقاء جمعني مع الفنان محمد القبانجي كان في عيادتي الخاصة لطب وجراحة العيون عام 1970 في بغداد، حيث ان الاستاذ كان احد المراجعيين فيها، وعبر زياراته المكوكية وحلو حديثه نشأت بيننا صداقة، فكنت ادعوه احيانا الى داري في الجادرية لاقامة حفلة غنائية خاصة، ادعو اليها بعض الاصدقاء. وفي احدى الامسيات، دخلت مع الاستاذ في حوار ثقافي موسيقي، باديا اياه شكوكي حول وجود علاقة تاريخية قديمة بين انغام بعض مقاماتنا العراقية (وهي المتحدرة اصلا من السلم الموسيقي السومري) والموسيقى الغربية، فأظهر لي ضيفي الكريم عدم معرفته بهذا الضرب من الفن، لكن رغم ذلك رجوته لو تفضل واستمع الى مقطوعة كلاسيكية، كي استشف منه مدى تحسسه بالأنغام الغربية و بمضمونها الفني، كان عنوان المقطوعة (تضرع وابتهال) وهي موسيقى كنائسية لمؤلفها الموسيقار الالماني الشهير باخ، ولم اخبره بعنوانها عن قصد ـ ـ فاصغى القبانجي اليها برفاهة السمع، لحظات معدودات، وقد استكنه سحر الانغام، ثم رفع رأسه فجأة ونظر اليً منفعلا وقال : هذه (ابتهالات) ! ! ! وفعلا كانت عبارة Supplication التي تعني ذلك، مطبوعة على صفحة الاسطوانة.
صحت فرحا وقلت : اصبت يا استاذ! ، قال كيف ؟ قلت: لان جنابك قد تحسست بمعنى المقطوعة، وهذا دليل واضح بجود مشتركات موسيقية بين عالمي الشرق والغرب. واضفت : حضرتك تزخر بمواهب فنية عالية لكنك غير ملمُ بسعة قدراتها، اليك تقديري وامتناني وبالغ شكري.

في سبعينيات القرن الماضي دعيت الى حفلة عائلية احياها الفنان محمد القبانجي في دار احد الزملاء من الاطباء في بغداد، اقامها بمناسبة مولود جديد، وكان الحضور جمعا من المحبين. وبعد فاصل قصير من الغناء، طلب احد المدعويين من المطرب الكبير، غناء مقام المنصوري، طالما ان اسمه شائع لكنه لم يسمع من الاذاعة العراقية يوما، فلبًى الفنان الطلب مجاملا، وما ان بدأ الصوت الرخيم يملأ الارجاء حتى شعرنا بلحنه الجميل بسحرنا ويطربنا، ينقلنا الى عالم آخر، فقد كان المقام ينبض بالمشاعر الانسانية العميقة، وقبل انتهاء المقام بدأ الحضور المنتشي بالتصفيق الحاد.

وعندما سُأل الاستاذ عن سبب عدم تقديم المقام الى الجمهور عبر الاذاعة، أجاب الفنان على استحياء، كون ان هذا المقام بالذات يحمل مسحة فارسية صارخة، واضاف : مقام المنصوري هذا ظهر اول مرة في زمن الخليفة العباسي ابو جعفر المنصور، وسمّي بأسمه. وفي ذلك الزمن كانت بلاد فارس ضمن الامبراطورية العربية الاسلامية.
ثم نهض احد الحاضرين، مناشدا الاستاذ ان يسمعنا مقام اللامي، كون ان القبانجي هو من ابتكره، لكن المطرب رد عليه معتذرا وقال : مقام اللامي مقام حزين، ونحن الان في حفلة فرح.

لكن حب الفضول دفعني الى مناشدة الاستاذ ان يحكي لنا تاريخ هذا المقام متفضلا فقال :
( في اعقاب مؤتمر الموسيقى والغناء العربي الذي انعقد في القاهرة عام 1932 دعتني شركة المانية لتسجيل بعض المقطوعات الغنائية على اسطوانات الكرامافون في المانيا، فواعدتهم بذلك. وعندما عدت الى بغداد وجدت صحة والدي ليست على ما يرام، فتريثت في الامر، لكن والدي بعد ان علم بالموضوع بدأ يؤكد بألحاح، على ضرورة السفر، معتقدا ان هذا المشروع سيفتح لي افاق النجاح مستقبلا، ونتيجة لاصراره الزائد سافرت. وبعد وصولي الى برلين العاصمة بأيام بلغني خبر وفاة والدي. فصعقت بالصدمة وتركتت حطاما ورحت في شبه غيبوبة، وعندما صحوت بدات انشد صارخا :

علام الدهر شتتنا وطرنه * * ليالي اللي مضت ما تعود ليّ
لكن الطاقم الموسيقى المرافق بقى ساكنا ولم يتحرك، وعندما هدأت، سألتهم عن سبب عدم المصاحبة، فقالوا : اللحن جديد علينا يا استاذ، لم نعهده من قبل، ويظهر انك ابتكرت لحنا جديدا، فقلت لهم لو كان الامر كذلك، اذن دعونا نختار له اسما ! وبما ان المفردات التي وردت دالة على النعي و الملامة، فلا باس ان نسميه بالمقام اللامي، واضاف : وقد غنيت هذا المقام اول مرة في الاذاعة العراقية بعد افتتاحها عام 1936.

وفي نهاية الحفل البهيج قلت للاستاذ القبانجي : لقد انستنا واطربتنا يا ابا قاسم، فلك الشكر كله، انك حقا قد دخلت دنيا الفن الرافدي الحديث من اوسع ابوابه وخُلدت في اعلى درجاته، فاردف قائلا: لكنني لست مكتفئا بمجرد هذا الخلود الفني الذي تفضلت به، انما انا ابغي الخلود الايماني بعد موتي، فانا الان منشغل في بناء جامع يحمل اسمي، فاكبرت فكرته ونبل هدفه، فقد ارتفع مقام الرجل في نظري، وفعلا وقبل ان تنتهي السنة التي كنا فيها، كنت احد المدعوين في حفل افتتاح جامع القبانجي في الحارثية ببغداد، برعاية وزير الاوقاف يومذاك. رحم الله محمد القبانجي!.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close