في ادب الحياة، من اعماق النفس البشرية

* د. رضا العطار

اعتاد صديقي ان يتلقاني باسم الثغر هشا بشا، لكنه في هذه المرة رأيته فاتر عابس. فقلت له: لست اراك على ما يرام ! ؟ اين ابتسامتك ؟ وماذا حدث ؟ ام تريد ان اردد على مسامعك قصيدة ايليا ابو ماضي التي مطلعها:

قال (السماء كئيبة !)، قلت: ابتسم ! يكفي التجهم في السما
اجابني بهدوء : ليست السماء الملبدة بالغيوم هي السبب، كلا، انما البشر .. !
وهل في ذلك من جديد عليك وانت الخبير المحنك الذي لا تخفي عليه طبائع البشر .. ؟
– عندما يكون الشخص الذي يعقد عليك من نفس الحقل الذي تعمل فيه، فقد يكون ذلك مفهوما اومبررا. اما اذا كان يعمل في ميدان آخر ولم يكن لك به ادنى صلة ولا سابق معرفة فهذا امر محير حقا !
– يكفي ان تكون انسانا ناجحا حتى يحقد عليك الاخرون لا لسبب آخر سوى نجاحك ولا سيما اذا لم يكن في استطاعتهم ان يصلوا اليه ! وعلى اية حال فان عليك ان تضع في ذهنك باستمرار ما قاله الشاعر ايليا ابو ماضي في نفس القصيدة :
قال العدى حولي علت صيحاتهم * * أأسر والاعداء حولي في الحمى
قلت: ابتسم، لم يطلبوك بذمهم * * لم لم تكن منهم أجلّ واعظما
أرأيت ما يقوله الشاعر ؟ الوان السباب والشتائم الحقودة ترجع كلها الى احساسهم انك افضل منهم، او انك أجل واعظم. فانت تقوم باعمال ليس في استطاعتهم ان يقوموا بها. — لماذا لا يحاولون هم مرة ومرة القيام باعمال مماثلة ؟ فما اكاد اكتب شيئا الا شرعوا يشمرون عن ساعد الهزل، فيتناولونها بالهجوم والتجريح !!

هذه هي النقطة الهامة: فهم ياسيدي لا يستطيعون القيام بعمل ايجابي خلاّق كما تفعل انت وكلما كتبت اكثر شعروا بعجزهم على نحو اشد واعمق ! ثم الى جانب ذلك كله فلا بد يا اخي ان يكون هناك من يبني وان يكون هناك من يهدم، من يعمل ومن يسخر ممن يعمل! من يكتب ومن يجلس متربصا ممسكا بالقلم ولكنه لا يستطيع الكتابة، فينتظر حتى يكتب غيره فيشرع في التعليق عليه والسخرية منه ! ألم تقرأ الاهداء الرائع الذي كتبه طه حسين في واحد من كتبه: ( الى الذين لا يعملون .. ويسوؤهم ان يعمل الاخرون !! )

– اعوذ بالله ! لا يعلمون، ويغضبون عندما يعمل غيرهم ؟
– نعم ويشتد غضبهم ويتميزون غيضا، كلما كان ما يعمله غيرهم ممتازا !!
– في اعتقادي انه ( الاعجاب الشديد ) الذي يصل الى حده الاقصى فينقلب حقدا وكراهية، ولو انك تكتب شيئا سطحيا او غثا لما قرأوه وما اهتموا به، لكني اعتقد انهم معجبون بها اشد ما يكون الاعجاب، والاعجاب اذا ما زاد عن حده انقلب ضده. لكن لماذا ينقلب الاعجاب الشديد حتى في حالاته القصوى الى ضده على هذا النحو، السبب واضح جدا .. وهو ان هذا الاعجاب الشديد يشعر صاحبه في الوقت نفسه بعجزه وبعدم قدرته على الوصول الى تلك المكانة الرفيعة، التي وصل اليها الشخص الذي يُعجب به. — هذه حقيقة غريبة من حقائق النفس البشرية !

جاء في اعمال شكسبير ان الاستاذة س كانت تكيل الشتائم على الاستاذ ص في الجامعة دون مبرر، والقصة تبدأ من عهد الصبابة عندما كانا اصدقاء، تربطهما روابط وثيقة، حتى كان يقال ان فلانا سوف يتزوج من فلانة ثم (خاب سعي العشاق) واستطاع استاذنا ان يفلت بجلده من هذه المرأة، فتحول الحب الكبير في قلب صاحبتنا الى كراهية واستمر حتى بعد ان تقاعد الاستاذ من التدريس.

اما قصة الاديب الفرنسي – جان دي لافونتين – ت. 1621 في حكايته الخرافية مع العنب، مفادها: ان ثعلبا رأى عنبا ظاهر النضج بحباته التي تشبه عيون الشهب ولونه الجميل يشبه لون الذهب، فأشتهى أكله وحاول ان يصعد اليه لكن دون جدوى. ولما ايقن من فشله قال لنفسه لا هذا عنب حصرم، ويختتم – لافونتين – :

حكاية عن ثعلب * * قد مرّ تحت العنب
وشاهد العنقود في * * لون كلون الذهب
والجوع قد اودى به * * بعد آذان المغرب
فهمّ يبغي اكله * * منه ولو بالتعب
عالج ما امكنه * * يطلع فوق الخشب
فراح مثل ما اتى * * وجوفه في لهب
وقال هذا حصرم * * رأيته في حلب
قال له القطف * * ثعلب ابن ثعلب
طول لسان في الهوى * * وقصر في الذنب !

* مقتبس من كتاب (افكار ومواقف) لمؤلفه امام عبد الفتاح امام !

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close