الجدوى والمعنى .. الأوهام والحقيقة !

خضير طاهر
عدت متأخرا الى الغرفة المشتركة التي جمعتني بالصديق خالد مروان في العاصمة الأردنية عمان ، كنت قد مشيت ساعات طويلة في الشوارع ، وكعادتي عندما تصيبني مشكلة أطلق العنان لنفسي بالغناء .. الغناء رثاء ومواساة .. ويرسم أمامي سؤال الأقدار والمصير والنهاية !
– ((ماهي الأخبار شيخنا ؟))
سألني خالد مروان وضحك وكانت صداقتنا قد تطورت الى مستوى المزاح خصوصا عندما كان يشاهدني أصلي وأقرأ القرآن ، وزاد مزاحه معي بعد ان أخبرته بقصة إعجابي بإحدى موظفات سفارة دول عربية كنت قد رأيتها أثناء مراجعة السفارة في عمان للحصول على الفيزا ، ولحظتها صرخت روحي بالإعجاب وشهق قلبي بالإنجذاب ، كنت في حالة إفلاس مالي وتسكع وضياع وبحاجة الى مأوى تسكن الروح اليه ، صرت كل يوم أجلس على مصطبة الحديقة المقابلة للسفارة لرؤيتها من بعيد أثناء إنتهاء الدوام .. كنت بحاجة الى دفقات توهج روحي لحظة مرورها .. كانت بمثابة المعبد المقدس الذي يمنحني القوة والأمل وأجمل الأوهام .
– (( رفضني مكتب الأمم المتحدة للاجئين ))
بعد ان سمع كلامي خالد ، اغمض عينيه وأحنى رأسه ، وشعرت به تكوم وتهدم من داخل ، يا الله على روعة التفاعل الإنساني .. خالد شخص صدمني بعنف ، قبل معرفته كنت أعتبر نفسي صاحب أطيب قلب على وجه الأرض ، لكنه أزاحني بسهولة على عن هذا المجد والعرش وأجبرني على الإقرار له في داخل نفسي بأن قلبه أكثر طيبة مني .
كائن نادر خالد .. إذ يعتبر همومك ومشاكلك .. كما لو كانت مشاكله هو شخصيا ويمنحك بكل نبل وتفهم من وقته وفكره ويظل معك حتى في صمته !
– (( ماذا ستفعل ؟))
تكلم خالد بصعوبة وهو يسألني.
كنت حسمت أمري في عدم الرجوع الى العراق وإختيار السفر الى سوريا للإقامة ودراسة العلوم الدينية في ( الحوزات ) هناك بين صفوف الجالية العراقية .. كنت مهوسا في البحث عن اليقينات الدينية القاطعة ، وكان لديّ حب جارف لتعزيز ثقافتي الدينية الدفاعية التي تبرر كل شيء صادر عن الدين وتحتفي به وتريد أسلمت الحياة بكاملها ، التجربة الدينية مزيج من الدوافع النفسية التي تخلق منتجاتها الفكرية والسلوكية ، وقطعا من الناحية السيكولوجية لم أكن مستقلا عن مخاوف تلقين مرحلة الطفولة حول غضب الله وعقاب عذاب نار جهنم ، لاحقا حاولت تبرير الأمر لنفسي في رغبة البحث عن الحقيقة وأنا منتشياً بمتعة الخيالات والأوهام الدينية وهي تزويدني بالأمل وتهدأت قلقي ومخاوفي ومنحي الشعور بالأمان !
أرجعتني شرطة الحدود السورية ولم تسمح لي بالدخول ، وبدأت مشكلة كبيرة .. الإقامة في الأردن شارفت على الإنتهاء ، وانا أرفض العودة الى العراق ومما زاد الأمر تعقيدا وجود ختم السلطات السورية على جواز سفري وهي في حالة عداء مع العراق ، ووجهي أصبح مألوفا لأجهزة مخابرات نظام صدام وأنا أراجع مكتب اللاجئين مما أدخل الخوف في نفسي وحرضني أكثر على عدم العودة الى العراق .
جاء أمل بسيط عن إحتمال السماح بدخول سوريا للمسافرين العراقيين عن طريق المطار ، لكن المشكلة كنت أعيش في حالة إفلاس ولا أمتلك ثمن تذكرة الطائرة ، كان خالد مروان معي في كل خطوات وهو الآخر يعاني من الإفلاس ايضا، وكنت أشعر به وأراه يتعذب من أجلي ، وفي الأخير لجأت الى من أجل توفير ثمن تذكرة السفرالى الشيخ نوح وهوصديق تعرفت عليه توا أعلن أميركي أعلن إسلامه وأصبح متصوفا وعاش في الأردن وقد دعاني لحضور إحدى جلسات مجموعته الصوفية وأذهلني روح الأخوة والمحبة بينهم ، ولم يتأخر عن مساعدتي في إعطائي المبلغ المطلوب.
كان خالد يتطلع في وجهي المتعب الحزين .. ويسألني (( ما الذي يعجبك في هذه الحياة ؟ )) وكأنه يحرضني على إنهاء حياتي ومغادرتها ، وكنت في حينها غارقا في أحلامي وأوهامي الدينية ومخاوف عذاب ما بعد الموت ، كنا نتكلم عن ( الجدوى والمعنى ) للحياة وما فيها ، وكنت أحمل الكثير من الأمل والشعور بمعنى الحياة وجدواها وفائدتها ، على العكس من خالد الذي يردد (( ان الحياة عبارة إصطبل للحمير ونحن سجناء داخله )).
لم يستطع خالد ضبط أعصابه وهو يصطحبني الى المطار ، أخذ يزمجر ويرتجف ويصرخ .. (( عالم حقير .. حياة بلا عدالة .. كل شيء مكرر وسخيف .. البشر ، الأماكن ، الأحداث … وحده الجبان والغبي الذي يرضى بالعيش في حياة بهذا الشكل التافه ))!
ودعت خالد وقبل صعود الى الطائرة منعوني بحجة ليس معي بطاقة عودة خوفا من إرجاعي من قبل سوريا .. لحظاتها شعرت بالتحطم والإنهيار وموت آخر إحتمال للنجاة من جحيم العراق ، ولعب الحظ السعيد لعبته وكلمت شخصا عراقيا تعرفت عليه في المطار قبل حوالي ربع ساعة ، وبالفعل إستجاب و ساعدني وقدم لي ثمن تذكرة العودة وهذا الإنسان الكريم إسمه محمد مدرس رياضيات حصل على اللجوء في كندا وأرجو كل من يعرفه يبلغه سلامي وشكري له.
وصلت الى سوريا ودخلت الحوزة لفترة قصيرة ثم إنخرطت في المعارضة بنشاط بسيط في الصحافة ثم قادتني تحولاتي الفكرية الى الإلحاد بالأديان وترك موضوع الله معلقا وأصبح مادة التساؤل والتفكير وإختفت صورة الرب المرعب الذي يهدننا بعذاب نار جهنم .
(( وواصلت رحلة الحياة التي وصفها خالد مروان بالتافهة ونفذ رأيه عمليا بها وإختار الإنتحار فيما بعد عند وصوله الى أروبا !))

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close