فنون العراق الجميلة: الفن ومعناه،

* د. رضا العطار

هل تعلم ان الذي يجعلنا نقدر الجمال ونحبه، هو شئ اخر غير هذا العقل الذي يوازن ويقارن ويبرهن ويعرف الاسباب والنتائج , فنحن نفهم الجمال عن طريق آخر نسميه ( البصيرة ) وهذه البصيرة هي التي تجعلنا ان نعلم مفهوم الدين مثلا . وهي التي تحملنا احيانا على التصوف، وهي التي تحملنا على الحب والشجاعة والتضحية وعمل الخير . لأنها تستقي الهامها من منبع الروح. بينما العقل لا يعرف سوى الفائدة المادية المحسوسة.

ونورد الموسيقى كمثل. فنحن لا نفهم الانغام والالحان بعقولنا وانما ندركها ببصيرتنا. والاغلب ان هذه البصيرة هي اقدم وارسخ في النفس البشرية من العقل، بدليل اننا نجد في الكثير من الحيوانات ما يلذّ لها سماع الموسيقى. وهذه الموسيقى تحدث في نفوسنا من الطرب ما لا نستطيع ان نقول انه معقول. ولو اننا اجتمعنا لنسمع احد الالحان ورأينا ان بعضا منا يستطيره الطرب اكثر من الاخرين, لما قلنا ان هذا البعض هو اذكاهم, انما قلنا انه ابصرهم في علم الموسيقى. فالذكاء من صفات العقل, لكن الطرب من صفات البصيرة. فالشهيد يتقدم للنار وهو في طرب الاستشهاد – والمحب يعانق حبيبته وهو في طرب العشق – ونحن نقف امام الصورة الجميلة وكأننا في طرب السحر – والزاهد يقف امام الله وهو في طرب العبادة – كما ان الوطني يتقدم للدفاع عن بلاده وهو في طرب الشجاعة والفداء.

ان الطبيعة هي ينبوع الفن وخالقه، بجميع اشكاله والوانه, فإما هي مرئية كجمال الفضاء وتلمع النجوم في الليل وبهاء منظر الارض الخضراء ونضرة الزهور وروعتها. او هي مسموعة في حركة اوراق الشجر, التي مكنت الموسيقار العالمي بيتهوفن، ان يضع من (انغامها) مقطوعاته الموسيقية الخالدة .
فمعظم الكائنات الحية تتحسس بالموسيقى وتتأثر بها ومنها النباتات،

و كاتب السطور يستذكر ابنته الانسة لينا التي كانت طالبة في كلية الفن في جامعة ولاية تنسي في الولايات المتحدة، يوم قامت بتجربة على الزهور، بعد ان كلفت بها من قبل استاذها في الكلية, بغية التأكد من درجة تحسس النباتات بالأنغام الموسيقية – فشاهدتها تجلب الى الدار مجموعتين من الشتلات الصغيرة للورد، تحمل جنابذ، وضعت المجموعة الاولى في غرفة ووضعت المجموعة الثانية في غرفة اخرى، ثم اخضعت الاولى الى ( سماع ) مقطوعات موسيقية، للموسيقار الالماني باخ، لمدة ساعة واحدة في اليوم، لثلاثين يوما متتاليا. بينما اُحجبت صوت الموسيقى عن المجموعة الثانية. فكانت النتيجة، ان المجموعة الاولى ابدت نموّا ملموسا ظاهرا, تفتحت الجنابذ وغدت اكثر نضرة بينما لم تلاحظ ذلك في المجموعة الثانية.

يغمرني الاعتقاد ان هناك صلة روحية وثيقة بين الدين الخالص والفن الطاهر في جميع صوره . وكلاهما مشكاة تضئ. فالدين هو ذلك القبس السماوي الذي يملأ القلوب بالصفاء والايمان والمحبة, بينما الفن الاصيل يعتبر ذلك القبس العاطفي الذي يسمو بمشاعر الانسان الى الافاق الرحيبة بكل ما يتعلق بأحاسيسه الخلاقة. فكلاهما قائم على قواعد الاخلاق – ومن هنا يمكن القول بأن الدين يرعى عقل الانسان, يرفعه الى مستوى الفضائل، بينما الفن الشريف يرعى ذوق الانسان, يصقل مواهبه الفطرية و يبلور قدراته الكامنة التي تجعل سنوات عمره احلى والمع.

ليس الغرض من فن الموسيقى هو الطرب او الاستمتاع او التسلية فحسب انما يكون الهدف اسمى من ذلك, الا و هو صقل الذوق وبلورة السلوك.
خلال سنوات اقامتي في المانيا في الخمسينيات من القرن الماضي كنت اشاهد جهاز البيانو – الالة الموسيقية – يتصدر صالة الاستقبال في معظم بيوت زملائي الاطباء من الالمان, مما اثار فضولي, وعندما طرحت السؤال على احدهم عن سبب ذلك, أجابوا : ( اننا نبغي من وراء ذلك ان يتربى اطفالنا على اطاعة النظام واحترام القانون, ليكونوا اشخاص صالحين في المجتمع عندما يكبرون. وفن العزف على البيانو خير وسيلة لتحقيق هذا الهدف, ناهيك ما للبيانوا من ميزات روحية, كبلورة الذوق وصقل المواهب.

اذن فالبصيرة هي اقرب الى الحياة، واعلم بغاياتها من العقل. لذلك تعتبر الشجاعة والحب وتوخّي الجمال هي كلها غايات ملهمة ترسمها لنا البصيرة. لكن العقل نفهمه بالعلم. فالعقل يصنع الالة الموسيقية, لكن البصيرة لها شأن اللحن. العقل يدير الالوان والاصباغ، لكن البصيرة تكشف لنا سر الجمال. فالالهام للبصيرة. والصنعة للعقل. وكلاهما ضروري للأتقان.

ان الفنون الجميلة هي الصلة بين الانسان والطبيعة. وللطبيعة ايقاع جميل مثلما نجده في الموسيقى والشعر والرقص والنحت والرسم – – ان رجل الفن لا يقتصر على محاكات الطبيعة بل هو يتجاوز حقيقتها الى خياله ويتسامى بها الى واقع ارفع ما تلهمه اليه بصيرته. وليس من شك في ان الفنون قامت في الاصل على المحاكاة – كما هي الحالة عليه عند الطفل عندما يعمل تمثالا من الطين. لكن من الرؤيّة تنشأ الرؤيا. اي من الحقيقة ينزع الانسان الى الخيال. فإذا كانت الفنون هي الصلة بين الانسان والطبيعة, كانت كذلك جسرا بين الحقيقة والخيال.

* مقتبس من كتاب، افاق الفن لأسكندر اليوت، ترجمة جبرا ابراهيم جبرا، مع تعليقات لكاتب السطور.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close