لغتنا العربية والحركة الرومانتيكية،

( *) د. رضا العطار

لا يزال الادب العربي الحديث، يعاني مرضا مزمنا كونه اتباعي وليس ابتداعي.
او بالتعبير الاوربي كلاسي وليس رومانتيكي، ولكنه يوشك ان يشفى من هذا المرض.
الادب الاتباعي هو ذلك الذي – يتبع – ولا يبتدع، فهو ياخذ باساليب القدماء وينزل على قواعدهم اللغوية والنحوية ويستعيد صورهم وطرزهم الادبية ويلتزم تقاليدهم في القيم الاخلاقية والفنية، هو ادب خاص يؤلف للخاصة الناعمة او الراكدة.

الادب الابتداعي هو الذي – يبتدع – ويقتحم ولا يبالي ان يغير في القواعد والقيم والصور والطرز، وهو ادب عام يؤلف للعامة اي للشعب وهو لذلك ادب تأثر على الاوضاع القديمة التي كانت تنكر حقوق الشعب.
ولنبدأ من البداية فيما بين اعوام 1750 – 1850 نجد في اوربا حركات اجتماعية وسياسية وادبية وجميعها صور مختلفة لنزعة واحدة هي النزعة الرومانتية
وكلمة رومانتية تشتق عن اصل لاتيني وتعني بالعامة اي عامة الشعب الجهلاء الفقراء وليس خاصته الذين تعلموا اللغة اللاتينية (الفصحى) وعاشوا في ثراء.

ونحن نجد في هذه المائة من السنين التي تقع بين منتصف القرن الثامن عشر والتاسع عشر احداثا جسام نتوهم انها كانت بعيدة عن الاخر لكنه عند التأمل يتضح لنا انه مرتبط به. ففي مجال السياسة نجد طرد الملوك الطغاة وتحطيم العروش وايجاد النظم الجمهورية والبرلمانات الشعبية بل نجد الاحزاب العصرية والحركات الشعبية. ففي هذه المدة مثلا ظهر (روبرت اوين) مخترع نظام التعاون وواضع مصطلح الاشتراكية الاوربية كما نجد انهيار النظم الاقطاعية في اوربا.

وفي المجال الاجتماعي نجد المدينة تاخذ مكان القرية الاقطاعية ونجد المصنع يجذب اليه العمال من الريف ويمسح من رؤوسهم العقلية الريفية الساذجة بل يجذب ايضا الفتيات ويجعلهن يعتمدن على كسب اذرعهن فيفهمن معنى الاستقلال الشخصي ثم معنى الحب اي لا زواج بلا حب. ثم في المجال الادبي نجد انه بزوال الاقطاعيين والملوك والامراء وبزوال العقل الريفي الذي يلتزم التقاليد وايضا بظهور طبقة جديدة هي الطبقة المتوسطة القارئة، بزوال اولئك وظهور هؤلاء نجد النزعة الرومانتيكية والأدب.

اي الادب للشعب، بلغة الشعب، وهموم الشعب، مع الاكبار من شأن الحب وظهور القصة. والحملات المنظمة على المظالم السياسية والاقتصادية والاتجاه الاشتراكي والجرأة على التقاليد والاستبدال فيها الخ … ثم ظهور رومانتيكيون كثيرون يعبرون عن هذه النزعة.ولكن الكاتب الذي تبلورت فيه هذه النزعة هو – جان جاك روسو – ولذلك تكفينا الاشارة الى بعض كلماته وآراءه كي نعرف ماهية الرومانتيكية. واول ما نذكر انه هو صاحب شعار الثورة الفرنسية : (الحرية والأخاء والمساواة) وهي كلمات شعبية ترفض التسليم بالقيم المتخلفة اذ كيف تمكن المساواة والاخاء مع وجودها ؟ .

ثم هو داعية الحب على طريقة الاديب العربي ابن حزم الاندلسي. وعاطفة الحب هي احسن العواطف واشرفها وهي تضع القلب فوق العقل. ومن اعظم سمات الحركة الرومانتيكية الاعتماد على الاحساس دون المنطق اي احساس القلب بدلا من منطق العقل ولذلك يغمر الحب هذه الحركة كلها. ومن سماتها ايضا تعليل المساوئ البشرية بسوء النظام الاجتماعي ، وان الانسان طيب بطبيعته سيء بمجتمعه، ولذلك نزع روسو الى الطيبة حتى قيل عنه انه استطاع ان ينقل الاحساس المسيحي عن الكنيسة الى الطبيعة التي وجد فيها حنانا وجمالا وعدلا لم يجد مثلها في المجتمعات المتمدنة.

فقد ظهرت حركات اجتماعية كثيرة هي ثمرة هذا التفكير الرومانتيكي. فان حركة الرواد والتجوال في الريف والاصطياف على الشواطئ هي ثمرة رومانتيكية روسو وغيره من طرازه وكذلك الغاء عادة الضرب في المدارس وتعذيب المسجونين بل الغاء التعذيب للمجانين بل الرأفة بالحيوان. وكذلك احيانا، الغاء عقوبات الاعدام، كل هذا بعض ثمرات الحركة الرومانتيكية.

وحياة روسو رومانتيكية تحفل بكلمة (ضد) – – فهو ضد تقاليد الزواج التي كانت مثقلة بالقيود، هو ضد تقاليد المجتمع التي كانت تقر التفاوت الكبير بين الثراء والفقر الفاحشين، هو ضد تقاليد الادب الموروث من القدماء، هو ضد الحضارة التي زيفت الحقوق الانسانية، انه اعتقد ان كل ما سبقه من الحضارة والاخلاق والاجتماع كان مظالم منظمة.

ان التحرر من القيود الاجتماعية الجامدة المتعسفة قد احدث تحللا ايضا من القيود اللغوية والادبية الجامدة المتعسفة. ثم تفاعل الادب الجديد مع المجتمع الجديد، مؤيدا للثورة والثورة تحفز الادب الى خدمة الشعب. وستقوى هذه النزعة في المستقبل كلما احس الادباء برسالتهم ازاء المجتمع. وهي رسالة خدمة المجتمع، اذ كيف نخدم الانسانية اذا لم نخدم المجتمع واين نجدها ؟ — فالاديب لم يعد خادما يهرج ويسلّي ويمدح ويقول النكتة، اذ هو الان معلم ومرشد، هو امام، بل هو نبي له رسالة.

* مقتبس من كتاب الأدب للشعب للموسوعي سلامه موسى.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close