إدراك ورطة الحياة وتفاهتها وخيار الإنتحار !

خضير طاهر

رجاني صديقي خالد مروان للذهاب معه الى البار ليشرب وحده الخمر ، كانت قناعاتي الدينية تبعدني عن الخمر ، وحتى بعد التخلي عن الدين لغاية الآن لم أذق طعمه ، وفي وقتها لم أستطع رفض
دعوته ، فخالد عالم مدهش من الخبرات والحكايات ودفق مشاعر الأخوة ، رجل إسطوري يرفض وصفه بالإنسان الذي عركته الحياة ، بل يرى هو من ضحك على الحياة وسخر منها !

بعد إمعانه بالشرب أخذ خالد يغني همساً ، بدأت أمواج الأحزان والوجع تتدفق ، وطفقت الروح المجروحة تسرد قصتها عبر نبراته الحزينة ، الغناء الحقيقي وجع الروح ولوعتها ، أخبرني خالد في أحدى المرات انه يعاني من ورطة
الحياة التي إكتشف تفاهتها وغياب مبرر الوجود ، وتسأل : مامعنى الخلق والموت دون خيارنا وإرادتنا الحرة ، ماهذه اللعبة ، مامعنى إيجاد حياة دون زرع العدالة بها كنظام دائم مفروض على الجميع مثل الهواء والماء ، ماقيمة البشر والإنسان في أصل تكوينه كائن أناني شرير ،
وقال كلاما خطيرا .. كل إنسان يحترم نفسه إذا عرف هذه التفاهة التي تسمى الحياة يجب عليه مغادرتها ولايجدر به المشاركة فيها وإلا يكون جبانا منافقا !

لم أستطع إمساك نفسي في البار .. أشعل غناء خالد الحرائق في روحي ، وإنهمرت مشاعر الحنين كانت (( ميسون )) تعيش معي تتربع على عرش القلب وتخطفني ذكراها الى سماء حلم مجنون حيث تضعني
في دوامة عصف زلزال تلك الأيام ، هل كان حبا طبيعيا ؟ .. كل عاشق يعتبر نفسه حكاية متفردة ، إلا أنا أعتبر تلك القصة جنونا لن يتكرر ، رباه ..! أية إمرأة خرافية كانت تجسد فيها فتنة السحر الأنثوي ، فرح عينيها ، تراقص شعرها ، ميلان رقبتها ، همهماتها بحة ضحكتها ،
وإندلاع عنفوان جسدها وهو يهتز أثناء مشيتها ، إجتمع المعنى ، وإرتهن الوجود بحضورها ، أين ذهب صخب ضجيج دقات القلب وحرقة اللهفة ، لماذا غادرنا الجنون ، مؤسف زحف سطوة العقل وسجنه لجنوننا ، إختفىت ، غابت ، فإنكسرتُ ، وإنهارت حياتي ! ، ليلتها ضغط غناء خالد على مجسات
اللوعة وهيج الجراح ، وضعت رأسي على الطاولة وأجهشتُ بالبكاء !

عقل خالد تشكل من قراءات متنوعة في الأدب والفلسفة وعلم النفس والتاريخ والعقائد ، زائدا تجاربه وخبراته كبحار طاف معظم أرجاء العالم وذكاءه الفطري الحاد ، وشعوره بإحترام نفسه وإلزامها
بأفضل المواقف والخيارات .

كنت أسأله (( ألست سعيدا بإكتشاف الحقيقة المقنعة لك ، ماذا تريد بعد ؟)) وكان يجيبني بعذاب المطعون (( إحترامي لنفسي يمنعني من مواصلة العيش في هذه المهزلة ، الفكر يجب ان ينتج عنه
سلوك منسجم معه )) لم أستطع وقتها فهم مثاليته العالية التي فرضت عليه هذه الجدية والصرامة رغم عدمية فكره وعبثية نظرته للاشياء !

الغى من حياته سؤال : (( ماذا بعد ؟ )) لأنه لم يطلب ولاينتظر شيئا ، مزج بين مفاهيم البوذية والتحليل النفسي وتشرب بها فإنتصر على نفسه وتجاوز بشريته ، وكانت أوقاته ميدان تدريب على
حزم حقائب الرحلة الأبدية ، ونفذ وعده وإحترم نفسه وأنهى حياته بالإنتحار .

أشعر بالحيرة والتردد كلما أريد إرسال السلام الى روحه وتمني الرحمة لها .. هل حقا توجد روح وحياة مابعد الموت؟

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close