في ادب الحياة، العراقي وثقافة احترام القامون – ح1

د. رضا العطار

يروي لنا كاتب السطور، جانبا من مذكراته الشخصية اثناء اقامته في المانيا في منتصفات القرن الماضي. فبين اعوام 59- 1962 كان د. العطار يمارس دورة الاختصاص في طب وجراحة العيون في مستشفى هومبلد لجامعة برلين، فيقول:
كنت ابدي اندهاشي كلما ارسلت ادارة المستشفى للأطباء في بداية كل عام استمارة ليحدد كل واحد منهم فيها تاريخ اجازته السنوية. ولم اعلم في حينها ان الاجازة المفروضة على الطبيب مقيدة بضوابط قانونية. انما كنت مقتنعا بان صاحب الاجازة له مطلق الحرية في ان يتصرف باجازته كيفما يشاء.

لكن في بدايات عام 1962 زارني في مقر عملي، طبيب عيون الماني معروف وفاتحني بالقول : علمت انك تعمل في عيادات اطباء العيون بالوكالة بعد الدوام الرسمي. اليس كذلك ؟ فقلت، وهو كذلك. قال: اني اروم القيام بسفرة حول العالم ابتداء من شهر تموز القادم ولمدة ثلاثين يوما. وارغب ان تتعهد جنابك بأدارة عيادتي خلال هذه المدة بدوام كامل، وانني مستعد ان ادفع لك ما تطلبه.
قلت له: دعني افكر في الأمر وسأعطيك الجواب غدا، فشكرني بادب جم و غادر.
كان برنامج حياتي، العودة الى الوطن بعد اكمال الدراسة. وكان في نيتي كذلك شراء بعض الأجهزة الطبية لعيادتي المستقبلية في العراق، وبعد مراجعة حسابية سريعة علمت بان المبلغ الذي سأطلبه من الرجل، سوف يحقق لي هذا الهدف. وعندما جائني في اليوم الثاني، اعلمته بموافقتي وتم التوقيع.

وفي الوقت و اليوم المعين ذهبت الى عيادة الزميل فوجدتها مغلقة، فأستغربت، لكنني طرقت الباب، عندها خرجت السكرتيرة وهي تسأل: الطبيب الوكيل ؟ قلت نعم، حينها فتحت لي الباب وبشاشتها تعلو محياها قائلة : صباح الخير. سألتها عن سبب الاغلاق، قالت: غلقت الباب بعد ان دخل العيادة عشرون مراجع وهو العدد المحدد.
بدأت العمل بفحص مرضى العيون واحدا بعد الأخر بكل هدؤء وأنسيابية. ومرت الايام متتابعة وانا ناعم البال فلم يحدث ما يعكر صفو العمل الدؤوب. لكن في احد الايام عندما شكى لي احد المراجعين بانه فقد الرؤيا في احدى عينيه فجأة، وكان يشغل منصب مدير شرطة. وبعد فحصه قلت له: انك مصاب بانفصال الشبكية وتحتاج حالتك الى مداخلة جراحية بأسرع وقت ممكن. فسألني عن عنوان المستشفى، قلت له، عليك ان تبحث بنفسك عن المستشفى، وزودته بمخطط يحدد موقع الأصابة، وطلبت منه ان يسلمه الى الجراح الذي سيقوم بمعالجته.

وفي اليوم التالي قرع الهاتف، وعندما رفعته السكرتيرة وتكلمت، شحب وجهها وبدت منزعجة وقالت: دكتور النداء يخصك. لقد كان على الخط من الجانب الاخر استاذي البروفيسور كليمنس، رئيس المستشفى الجامعي التي اعمل فيها، وعندما قلت له الو، صرخ غاضبا، معنفا اياي ولم يسمح لي بمقاطعته بل طلب مني الحضور فور الانتهاء من دوام العيادة واغلق الهاتف.

لقد كان من سوء طالعي ان المريض الذي كان يبحث عن مستشفى، قد وجد ضالته في نفس المستشفى بالذات … ذهبت الى الاستاذ وانا في شبه ذهول لا اعلم ما حدث. قابلني الرجل بوجوم حاد وقال لي: اسمع يا دكتور عطار اني طلبت حضورك بأسم القانون. وعند سماعي هذه العبارة فزعت، فهذا يعني اني أقترفت ذنبا. وأضاف نحن نعطيك ثلاثين يوم اجازة براتب كامل بهدف السفر الى منتجع سياحي كي تستعيد قواك، وتكون بعد ذلك اكثر حيوية ونشاطا في عملك ولم يكن القصد من ذلك ان تهدر طاقتك في عمل جانبي بهدف كسب المال على حسابنا، ثم تأتينا وانت متعب، القانون عندنا لا يسمح بذلك، ففي هذه الحالة لا يمكنك الاستمرار في عملك، لقد اتيت الينا لتكسب العلم، لكنك لم تحاول معرفة القانون.

وعندما ايقنت انني أخطأت، عبرت له عن يالغ اسفي واعتذرت لما حدث : وعندما لاحظ الاستاذ اني تأثرت، قال: اننا مقتنعون بحسن نواياك وعدم علمك بضوابطنا القانونية، وليس لنا الا ان نتعاون على حل المأزق. انني اريد ان اساعدك. هاك القلم و أطلب تمديد أجازتك خمسة عشر يوما بدون راتب لأسباب خاصة، عليك ان تقضيها في منتجع سياحي، ومن هناك تزود اضبارتك الشخصية بكارت يثبت وجودك هناك.

هدفي من سرد هذه الحكاية الذاتية للقاري العراقي، وهي حكاية واقعية، ان اشير الى ان الغاية من وجودنا الموقت في البلدان الاجنبية يجب ان لا يقتصر على تحصيل العلوم ونيل الشهادة فحسب انما الالمام بالجوانب الاجتماعية والثقافية لذلك البلد، والتأكيد على حرص مواطنيها على احترام القوانين في بلادهم وليست لمجرد مشاهدة معالمها السياحية. يجب اكتساب الجيد والمفيد منها ومحاولة تطبيقها في بلادنا بعد الرجوع اليها.
البقية في الاسابيع القادمة !

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close