فنون العراق الجميلة، الطبيعة ومنابع الفن

* د. رضا العطار

في الطبيعة ايقاع ازلي، نلمسه في تيارات البحر وامواجه وفي تعاقب الليل والنهار و كذلك في حركة النباتات والاشجار. وهذا الايقاع هو اوضح في الحيوان، حين نراه يرقص ويغرد, لكن رجل الفن تستكنّه الروح في هذه الظواهر، فيخرج منها برؤيا الموسيقى والشعر والرقص او النحت. فهو مع انه يتجاوز الحقيقة, الا أنه هو الاساس فيها. فينحت لنا من الحجر مثلا رجلا يمثل صفة الشجاعة, كما هي الحال عند عنتر بن شداد او امرأة تمثل الجمال كفينوس.

فالفنون الجميلة هي في ادنى مراتبها محاكاة وفي اعلاها تفسير ورؤية. وكلها متجانسة. كما يتضح من الالفاظ التي نسمعها. وهذا التجانس يجعل الاديب, اي رجل الفن, محاطا بالفنون جميعها, واقفا على غاياتها. وصلة الاشتراك بين جميع الفنون هي وحدة الاصل فيها. اي تلك البصيرة التي تنفذ الى ما وراء المظاهر كي تفسر وتتخيل وتتسامى بمعانيها وصورها.

ان الفنون الجميلة التي تنبع من معين واحد, هو البصيرة, لكنها تبتعد او تقترب من الذهن بنسب متفاوتة. فاننا حين نستمع الى لحن جميل يهوينا, لا نحب ان يفسده علينا احد بغناء يرافقه. لان في الغناء من المعاني الذهنية ما نراه لا ينسجم مع اللحن الذي يخاطب بصيرتنا ويطربنا دون ان يطالبنا بمصاحبة ذهنية. فاننا نستهوي تلك الانغام وكفى طالما تجعل نفوسنا تنبض لها كأننا لها صدى.

ان اقرب الفنون الجميلة الى الذهن هو الشعر الذي تنطوي معانيه احيانا على الحكمة البالغة التي تغذي العقل. يليه بعد ذلك الرسم والنحت. وان الكاتب الذي يستطيع ان يجعل من قصته او نثره او شعره شيئا يشبه الموسيقى في الطرب, هو اقرب الكتّاب الى قلوب القراء. انه في الواقع يمارس فنا جميلا. اما الكاتب الذي لا تسخو نفسه بالحب للناس وللحياة، لا يستطيع ان يتحسس بروح الجمال. و بذلك يعجز ان يترك في نفوس قراءه طابعا محمودا.

فانت لا تكن قادرا على ان تصف امرأة حسناء جميلة وتجيد في الوصف, ما لم تكن تحبها. فالحب اساس الاحساس بالجمال. فنحن نستجمل الطبيعة ونفتن بزهوها وزهورها، نستهوي كل صورها واشكالها, لاننا نحبها. وما لا نحبه نستبشع منظره فالكاتب او الشاعر او الرسام او الموسيقي الذي تغمر نفسه الكراهية لمجتمعه، لا يمكنه ان يجيد فنا من الفنون الجميلة.

ولعل اكبر العيوب التي تعاب بها الفنون هو العرف الاجتماعي الذي يقضي على رجل الفن بأن يحد من بصيرته ويكف من قدراته، لانه يهدده بالعقاب ان تجاوز حدوده.
وكذلك الحال عند الفنان عندما يحرم من ممارسة النحت والرسم بحكم العرف الديني فيضطر الى مجاراة نهج السلف في ممارسة ( الفن ) الذي هو اقرب الى المسخ منه الى الواقع. علما ان البدعة هي من الشروط الاساسية للرقي. وذلك لان الجمود يناقض ناموس الطبيعة التي هي ترقى دوما نحو التطور. فالطبيعة تتجلى بصلتها الوثيقة بجميع انواع الجمال, كونها هي ينبوعه وهي الملهمة لشتى مراتبه. مرئية أكانت ام مسموعة.

فالجمال في اشكاله المختلفة لا يختلف فيه الناس الا بمقدار تربيتهم الفنية التي تزيد بصيرتهم الطبيعية نورا وذوقا. هذا الذوق الذي نراه على اكمله في الفنان الحقيقي.
ان جميع البشر يتذوقون الجمال الأخاذ في الزهرة الزاهية ويستحسنون شذى عبيرها الفواح, كذلك يستجملون منظرالشجرة النضرة, والوجه الباسم المشرق, مثلما يسرهم ان يروا في الفرس الرشاقة وخفة الحركة على عكس الكركدن والخنزير, المتسمة وجوههم بالقبح والسماجة.

ان للوسط الذي يعيش فيه الانسان اثرا ايجابيا او سلبيا في تربية الذوق. فالزنجي والياباني والاوربي والعربي كلهم يتفقون اجمالا على ماهية الوجه الجميل, ولكنهم يختلفون في التفاصيل. وفي الواقع ان الزنجي يستجمل المرأة الجميلة كما كان ينحتها النحاة الاغريقي قديما او كما يرسمها الرسام الانكليزي الان كما نستجملها نحن. وذلك لان الوسط الذي اثرّ في ملامح المرأة الزنجية لم يؤثر بعد في بصيرة الزنوج.

ونحن العرب نعرف اننا نستجمل الوجه الاوربي الجميل كما يستجمله الاوربيون بلا ادنى شك, مع اننا في هيئة الوجه نختلف بعض الاختلاف. وعندما نتأمل صور الوجوه التي يرسمها رجل الفن الياباني, يريد بها ان يصور الجمال, نراها قريبة الشبه جدا من الشكل الاوربي, مع ان الوجه الياباني في حقيقته يختلف كل الاختلاف من الوجه الاوربي.

ان للتربية والعرف والوسط بعض الاثر الذي لا ينكر في تكوين الذوق الفني. فالفتاة التي نشأت لا ترى من الرجال سوى الرجل الحليق, لا يمكنها ان تستجمل الشاب الملتحي الاّ بعد التعويد عليه. والزنجي الذي لم ير قط في حياته امرأة بيضاء يشك لأول ما يرى امرأة بيضاء في سلامة صحتها. والفلاح يتزين بالألوان الزاهية الصارخة بينما يطيب للحضري الالوان الخفيفة الباهتة. و لكن كل هذه التفاصيل لا قيمة لها امام البصيرة التي يشترك فيها جميع الناس في فهم معنى الجمال الظاهر في الشخص او الصورة او التمثال او البناء.

ولكن الامم المتفاوتة, تتفاوت في نزعتها نحو الجمال. فقد كانت النزعة السائدة لدى المصريين القدماء هي الدين, فكان النحاة اذا نحت تمثالا قصد منه الى معان التأمل و الخلود والتقوى او الخضوع والطمأنينة التي تفضيها العقيدة الدينية. وكان الاغريق القدماء ينزعون الى الجمال الذي عبدوه في آلهتهم وابطالهم ورياضيهم حتى صاروا لسائر الامم قدوة .

* مقتبس من كتاب أفاق الفن، للاديب العربي جبرا ابراهيم جبرا

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close