لغتنا العربية واللغة العصرية

* د. رضا العطار

لقد عرفنا ان معظم الاضطرابات في معاني الكلمات يرجع الى اننا احيانا نستعمل كلمات وعبارات نشأت في بيئة اجتماعية غير بيئتنا. وهي كلمات او مجازات او استعارات اشتقت من اساليب التفكير الذي كان متبعا قبل نحو الف سنة في بغداد مثلا، او لا يزال يتبع في اقليم عربي آخر له اسلوب في التفكير يخالف اسلوبنا، ولو انه لا يزال يعيش في عصرنا. وهذا الاسلوب في التفكير قد حمل السكان هناك على سلوك لغوي يخالف سلوكنا.

وثم قاعدة تاريخية سديدة يجب ان نذكرها على سبيل المثال : وهو ان طراز الثقافة يصاغ وفق الوسائل التي تستخدم في تحصيل العيش. فوسائل العيش في بغداد تختلف مما كانت في القاهرة قبل الف سنة. وتختلف مما هي في مراكش او صنعاء الان. ولذلك تختلف ايضا ثقافتنا. واللغة تسير وراء الثقافة. وكلماتها تحمل المعاني التي تتطلبها هذه الثقافة او هي تعجز عن حمل هذه المعاني، فيحتاج المجتمع الى استعمال غيرها. اذ لا مفرّ من ان نربط اللغة بالمجتمع. ونحن نحاول ان نرتقي بأمتنا، ولكن ما معنى هذا الرقي ؟

هذا الرقي يعني اننا نعيش المعيشة العلمية، حيث تستند الحقائق الى البينات لا الى العقائد. ولن نستطيع ان نتجاهل الوثبة الجديدة في هذه الدنيا ما لم تتقلص فيها المسافات.
حتى يمكن ان يقال انها صغرت فصارت قرية واحدة. فيجب لهذا السبب ان نجعل ثقافتنا علمية وان نجعل لغتنا علمية كما يجب ان نستعمل كلمات علمية في تعبيرنا في الصحف والكتب والحديث. مثلما نجعل ثقافتنا عالمية حتى تتسع آفاقنا الذهنية والنفسية والروحية، ونمارس بذلك حقنا البشري الاول وهو ان هذا الكوكب ملكنا ولنا الحق في معالجة شؤونه بكلمات عالمية.

وفي هذه الفقرة، سنتعرف على هذه الكلمات التي تقتصر على التعبير العلمي في لغتنا اي بأستخدام الكلمات المجازية التي تتفق والمجتمع الذي ننشده. وفيما يلي بعض هذه التعابير المشتقة من اللغة العلمية على سبيل المثال:

الاستقلال هو بؤرة الاشتغال الوطني في البلاد العربية = طبيعيات
الحياة تفقد ايقاعها في المرض = موسيقى
ان ننظر الى المستقبل ببصيرة تلسكوبية = فلكيات
كان مذهب التطور في القرن التاسع عشر من اعظم الخمائر الاجتماعية = كيمياء
رجل يمتاز بالبصيرة الروحية = دين
الايحاء افعل من الاغراء = سيكولوجية
الرجل يمشي في تثاقل روماتيزي = طب
الحرب قاطرة التاريخ انها تعجل التطور = ميكانيات

نحن الان نستعمل كلما جلبته الحضارة الحديثة من وسائل الترفيه لخدمة الانسان كالسيارة والقطار والطائرة والتلفزيون والحاسوب، مثلما استعمل العرب قديما الكلمات التي تتصل بحياة الجمل والحرب والخيمة ونبات الصحراء والتضاريس الارضية كأشارات مرور الخ.

* مقتبس من كتاب البلاغة العصرية واللغة العربية للعلامة سلامه موسى.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close