حصار الأقدار والعقل .. رباه لماذا خلقتنا ؟!

خضير طاهر
قهر الحتميات يبطش بنا من كل صوب ، في لوح الأقدار كُتبت الحظوظ وتحددت المصائر ، وداخل العقل نقبع مدحورين بين جدران حصار الأرث والتلقين والتصورات ، كفى أوهاماً لسنا أحرارا ، كل منا ينتظر ان يطحن في محطنة إصطبل الحياة !
أصابتنا الحيرة واليأس أنا وصديق خالد مروان ، بعد إستلامي لقرار رفضي من قبل مكتب الأمم المتحدة في الأردن وعدم منحي حق اللجوء ، خالد إقترح عليّ ان نسافر الى ميناء العقبة ونحاول التسلسل الى إحدى السفن الراسية مستفيدا من خبرته كبحار ، ونغادر الميناء بإتجاه أوربا .
– ( ( عزيزي خالد أنا لست مغامراُ .. وطوال عمري أبحث عن راحة البال )).
– ((القضية ليست مغامرة ، بل سعي للخلاص .. ماذا لدينا لنخاف خسارته ، نحن أموات عمليا ))
لاحقا كعادتي في تحليل صفات البشر وظواهر الحياة توصلت الى ان الشجاعة تعتمد على أربعة عناصر :
– إحترام النفس
– عدم الخوف من الألم الجسدي
– عدم الخوف من الموت
– التخلص من مؤثرات الطفولة ، وعدم تكرار إنتاج سلوك الطفل الخائف امام سلطة الأب وغيرها من السلطات القامعة.
ثم بعدها تتم عملية التصنيف والفرز بين : الشجاعة ، والمغامرة ، والتهور ، والعدوانية ، والجنون … حسب نوعية الثقافة الإجتماعية ، والصحة النفسية والعقلية للفرد .
إنطلقنا من العاصمة عمان بإتجاه ميناء العقبة ، وكانت خطتنا تقضي بإستطلاع الميناء ومحاولة الدخول قرب السفن الراسية ومعرفة المتجهة منها نحو أوربا والصعود اليها والإختباء داخلها ، والباقي يتكفل به خالد .
(( لا .. لا .. هذا ليس وقتها )) رددت هذا الإحتجاج مع نفسي عندما إنطلقت تلك الأغنية الحزينة من راديو سيارة الأجرة التي أقلتنا الى العقبة ، كنت متخما بالهموم والأحزان ، ولاأريد المزيد منها ، كانت (( ميسون )) تسكنني على شكل حشرجة في الروح ، تئن وتجأر ذكراها الدامية في أرجاء عالمي ، طوفانها يغرقني ، في كل لحظة أكاد أنهار على وقع فجيعة فراقها ، من يقدر عذاب الحب غير المكتوي بناره ، رمقني خالد بنظرة جانبية ، وهو يراني جثة هامدة إرخيت رأسي على مقعد السيارة ، مستسلماً بخشوع وعذاب لإنسياب تلك الأغنية الى فتحات جروحي النازفة ، كنت أبذل جهدا خارقا لمنع إنفجاري بالبكاء !
جلسنا في المعطم بعد ان وصلنا وقت الغروب الى العقبة وحجزنا غرفة في الفندق ، كانت الأضواء الأسرائيلية تسطع من الجهة الأخرى ، تعودنا أنا وخالد ان نتكلم بدون مناسبة ، نترك الحرية لأنفسنا تمارس عملية التداعي الحر وإفراغ ما يمكن إفراغه من بعد ان إطمئن أحدنا للآخر بعدم إصدار أحكام الجيد والسيء ، الصح والغلط ، على صاحبه حتى لو في سره مع نفسه .
في المطعم قرب البحر على أضواء الليل المليء باليأس والأمل الضعيف أنهمرت صفحات ذاكرة خالد ، من غيره يمتلك خزان الحكايات والذكريات وهو السندباد البحري ، وأخذ يسرد (( كانت من أغرب النساء اللائي صادفتهن في حياتي ، فاجأتني بعنف لدرجة الصدمة ، توقعت انها مجرد إمراة عادية سنقضي بعض الوقت وينتهي الأمر ، لكن بعد أن تناول الطعام وبدأنا نشرب ، حاولت الإقتراب منها لتقبيلها ، لكنها إبتعدت ، وقالت لديّ طلب أرجو ان تساعدني في تنفيذه ، فقز ذهني الى حاجتها للمال ، لكن وياللصدمة لم تكن تريده ، بصوت واطيء ورأس منكسر رجتني ان أشتمها بأقسى الألفاظ ، وأكدت على حاجتها للشتيمة قبل ممارسة الجنس ))
سألت خالد :
– (( هل كانت من النوع الماسوشي يحب تعذيب نفسه ؟))
– ((الحقيقة لا ليس كذلك .. القضية أعمق من هذا ))
– (( وماذا فعلت ؟ ))
– (( وضعتني بطلبها الغريب في موقف متناقض أمام نفسي ، فمن جهة أنا أحترم المرأة جدا ولاأسطيع جرحها بإي كلمة ، ومن جهة أخرى أنا في مواجهة تجربة جديدة ، وعشقي للمغامرات المجنونة أخذ يرقص ويصطخب في داخلي ، ولم أنتظر طويلا ، إنطلق لساني بكل الكلمات السوقية البذيئة ، وهجمت على ملابسها ومزقتها ، وبصقت داخل فمها ، وإشتعلت نار الشهوة وتدفقت براكينها ، وأكلمنا المهمة بنجاح ))
– (( ماهو تفسيرك لحاجتها الغريبة للشتائم ؟))
سألت خالد مروان وأنا مدهوش من هذه الحالة العجيبة .
– (( رأيي الشخص هي تعيش حالة صراع مابين الأنا العليا المختصة بالقيم الأخلاقية والدينية .. وما بين رغباتها الجنسية ، وتعاني من قيود الأنا العليا وتكبيلها لعملية الإنطلاق الجسدي والنفسي في خوض غمار العملية الجنسية بعفوية وإستمتاع ، وسماعها للشتائم يحررها و يدفعها لدخول عالم العربدة والتمرد وكسر الموانع الأخلاقية والدينية ، ومن ثم تغرق في بحر اللذة والشهوة وممارسة الجنس دون الشعور بالذنب )).
عدنا الى العاصمة عمان .. بعد ان فشلت رحلتنا ، لصعوبة الدخول الى الميناء .. ولم يكن لدينا أية حلول أخرى سواء إنتظار ضربات الأقدار ، وكان خالد يردد : (( ماهذه المهزلة السخيفة التي يطلقون عليها الحياة !)).

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close