إنهيار اليقين بالإنسان .. من يستطيع تجاوز بشريته؟

خضير طاهر
عدنا أنا والصديق خالد مروان من مراجعة مكتب الأمم للاجئين في العاصمة الأردنية عمان .. كنت في أشد حالات الضجر والإكتئاب ومقاومة إختزال الحياة بالحصول على اللجوء ، ان إنعدام الخيارات الأخرى هو أشبه بالموت حينما تصل الى العجز المطلق ويصبح الرهان على اللجوء فقط.

كان منظر وجبتي المفضلة الباذنجان قد خفف من كآبتي بعد دخولنا الى مطعم شعبي يقدم أكلات رخيصة الثمن ، في الثقافة العربية غالبا ماينظر الى طعام على انه حاجة غذائية ، ويتم إهمال عنصر متعة الطعام الناتجة من الرائحة واللون والتذوق والإستمتاع بعملية المضغ !

حدثت خالد عن موظفة رائعة في مكتب الأمم المتحدة ، كنت أراها من بعيد ، وقادتني حيرتي وحدسي الى كتابة رسالة لها طلبت منها خدمة إنسانية بتقديم موعد المقابلة الى وقت أقرب من الموعد المقرر رغم عدم علاقتها بترتيب المواعيد ، كان إسلوب الرسالة مزيجا من الغزل المحتشم والإشادة بشخصياتها ، ولم تتأخر فورا إختصرت من الموعد حوالي أكثر من شهر ، وهذه تعد معجزة نظرا لإزدحام المراجعين .

-(( برأيك هل الإنسان خير أم شرير ؟))
سألني خالد ، وحدست انه يريد إطلاق أفكار جديدة ، كنت منتشيا في وقتها بمعارفي الدينية وفخورا انني في عمر 25 سنة أنجزت قراءة كتاب : (( الميزان في تفسير القرآن )) المكون من 20 مجلدا ، وإنقلبت حياتي على أثرها بإتجاه السعي الى أسلمت الحياة ووصلت قناعاتي الدينية الى ذروتها وأنا جندي أثناء الحرب مع إيران وكانت الأوهام الدينية مصدر طمانينة لي بأني سوف لن يتم نقلي من بغداد الى جبهات القتال برحمة من الله كوني متدينيا ، و كنت أصرح امام أصدقائي بمخططاتي بعد التسريح من الجيش كيف سأدخل الى الحوزة لدراسة الدين ، ومن ثم السفر الى أميركا للعمل واعظا دينيا لنشر الإسلام فيها، والغريب كنت أحدد مكان إقامتي في مدينة ديترويت حيث أعيش حاليا !

أجبت على سؤال خالد مروان .. بالكلمات والجمل الجاهزة التي يرددها الفكر الديني حول خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وانه خليفة الله على الأرض الخ … انني أشعر بالخجل من نفسي الآن عندما أستذكر كيف كنت مؤمنا بتلك القناعات الخاطئة !
وكعادة خالد كان يبتعد عن الجدال وتخطئة المحاور ، ويذهب مباشرة الى عرض وجهة نظره الشخصية ، كان محاورا مدهشا في جديته من أجل البحث عن المعرفة والحقيقة ، يصغي بإهتمام دون ان يشغل نفسه في البحث عن الرد عليك بالجواب أو إنتزاع زمام المبادرة في الكلام ، يشعرك صمته ان متفرغ لسماعك وإرسال مشاعر الأخوة والمحبة لك .
علق خالد قائلا :

– (( أنا إنهار يقيني بالإنسان !))
– (( عجيب .. لماذا ؟!))
تساءلت ، وبيني وبين نفسي قفزت الى التحليلات التقليدية الجاهزة من انه قد يكون تعرض الى تجربة شخصية مؤلمة من بعض الأشخاص ، إجابته أجاب :
-(( بحدود معرفتي لم يتناول أحد من قبل موضوع إنهيار اليقين بالإنسان بهذه المقاربة التي أقدمها مستعينا بنموذجي علماء النفس ورجال الدين لتأشيرة فجيعتنا بالإنسان وتأكيد تحطيم أسطورته الفارغة !

مثل ماهو معروف ان المثل الأعلى للبشر غالبا ما يكون رجال الدين ، والفلاسفة وعلماء النفس .. والقدوة يتم النظر اليه على انه بلغ قمة الكمال في الفكر والسلوك ، ولايكون مثل أعلى إلا اذا شعر الشخص الآخر به بتفوقه وانه أفضل منه ويتملك مواصفات نادرة عظيمة .

قاطعت كلامه (( هل الشعور بالنقص سببا للإعجاب بالآخرين ؟)) وأجاب (( ليس دائما .. قد يكون الشعور بالنقص سببا للحسد والكراهية )) ثم واصل كلامه:
– (( لكن صدمتي الشخصية في المثل الأعلى كبيرة وقاسية وحطمت أي أمل في وجود الإنسان المتكامل القادر على تجاوز بشريته وتقديم نموذج إنساني مثالي يحتذى به مثلما سأوضحه من خلال إخفاق علماء النفس ورجال الدين في تقديم النموذج الأمثل الجدير بالإقتداء !

(( علماء النفس : طالما شكلت صورة عالم النفس وخصوصا المحلل النفسي ، صورة الإنسان الكامل العارف ببواطن النفس البشرية ، والخالي من العيوب ، والقادر على التحكم بمشاعره .. فهو النموذج الإنساني الأرقى في الحياة ، لكن للأسف زالت حالة الإنبهار الشديد بشخصيات علماء النفس – وخصوصا المحللين – بعد الإطلاع على تاريخ الخلافات والصراعات والإنشقاقات بين مجموعة فرويد ، وبعده حصل نفس الأمر مع مجموعة المحلل الفرنسي جاك لاكان .. فعلا كانت صدمة مدوية كيف يفشل محلل نفسي في السيطرة على مشاعره الأنانية والعدوانية وينخرط في مشاكل وصراعات لاتختلف عن مشاكل الشخص العادي .. الى من نلجأ في تمكيننا من التحكم بمشاعرنا والحصول على خبرة وقوة الإرتقاء والتكامل النفسي إذا فشل المحلل النفسي في إختبار السيطرة على النفس!.

عقبت على حديث خالد ، وقلت له معك حق بخصوص تصرف المحلليين النفسيين ، وسألته بإستغراب ماذا عن رجال الدين ؟

– (( رجال الدين الذين يفترض انهم يرمزون الى القيم الروحية والقيم المثلى والطهر … ولكن من يتأمل فكرهم وسلوكهم في كل مكان من بقاع العالم سيجد انهم يمارسون سلطة مهيمنة على عقول وسلوك البشر ويحاول إستعبادهم والتحكم بهم ، وطوال تاريخ الأديان قام رجل الدين بنشر العنصرية والكراهية بين المجتمعات وبسببه إندلعت الكثير من الحروب وسفكت الدماء وفشلت الأديان جميعا في إقامة العدالة على الأرض ))

(( الخلاصة .. هي ان الإنسان كائن أناني شرير ، أخفق خلال حياته الشخصية الفردية ، والجماعية ، وعلى مستوى الشعوب .. في السيطرة على نوازع الشر ومنع السلوك العدواني ، وفشلا لدرجة العار في وضع نظام عادل للبشرية يرتب حياتها ويجنبها الفقر والصراعات والحروب !)).

توقفت عن تناول الأكل ، وبقيت صامتاً .. لقد خدشت أفكار خالد في نفسي مكانة وقيمة الرموز التي أحترمها وأعدها كوكبة مضيئة في حياتي … كانت رموزي خليطا من رجا دين ومصلحين وكتاب وأدباء ..، كنت أعرف خالد يكره الشيوعية ويعتبرها أيديولوجية إجرامية بحق حقوق الإنسان والحرية ، وكان كلامه حول النظام العالمي العادل للشعوب هو رؤيته الشخصية ، وكلمته بمزيج من الإحتجاج والتعجب (( خالد أنت تذكؤني بشخصية إيفان في الأخوة كرمازوف لديستوفكسي ، إيفان كان عقله شكاكا جارفا لليقينيات !)). لحظتها لم يخطر على بالي حتى في أسوأ أنواع كوابيسي ان يأتي عليّ يوما وأتحول فكريا الى الشك المطلق وتحطيم اليقينيات ونزع الثقة عن العقل ، وتحطيم المعنى بمعول العدم !

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close