اللغة من مكنونات االعقل، وهي الفعل الاول لبناء الحضارة.

* د. رضا العطار

اذا كانت الكائنات الحيوانية الغريزية تحتاج للتعبير عن حاجاتها المحدودة الى مصطلح واحد لكل نوع، فان هذا الانسان الواعي لمحيطه احتاج للتعبير عن رغباته لمصطلحات لا عدّ لها – – – ولا ريب في انه بدأ يصنع لغته باصدار الاصوات التي تعبر عن الصور الذهنية والسمعية والبصرية الدالة عليها من تقليده للاصوات التي يتلقاها من البيئة والطبيعة. كأن يقول (حا) للدلالة على الحمار او (سي) للدلالة على الطيور او (ما) للدلالة على النعجة. وعندما تطور الانسان مع الزمن وتعلم من الطبيعة الاصوات والايقاعات أنشأ الموسيقى، اول ابداع انساني في مجال صنع الحضارة.

وحينما ابتكر الانسان وسيلة لتدوين معلوماته اي في بداية الالف الثالث قبل الميلاد توفرت لنا الحجة الاستدلالية على نشوء اللغة.
فالكتابة الهيروغلوفية وهي اولى النصوص المدونة المكتشفة بطبيعتها التركيبية لصور حسية للدلالة على المقاطع اللفظية للكلمة، هي الدليل على ارتباط نشوء اللغة بالاصوات البيئية. ففي الهيروغلوفية تجد كل صورة تمثل حرفا او كلمة المراد كتابتها. فاذا اردت ان تعبر عن (طحن) تصور طائرا لحرف الطاء وحمارا لحرف الحاء ونارا لحرف النون، وهي في كل الحالات تتناسب مع وعي الانسان في مراحله الطفولية الاولى.

ولعل الكتابة المسمارية التي ظهرت في الحضارة السومرية في العراق القديم المعاصرة للكتابة الهيروغلوفية او السابقة لها هي رموز منشؤها الصور في عملية اتصال ثقافي مع الحضارة الفرعونية، لا انفصال عنها انما تأسيسا على قواعدها نفسها.
هذا الترميز للصورة تطور في التعبير عن المقطع الصوتي الى التعبير عن الصوت الاحادي (الابجديات) – – – ولعل اول ابجدية وجدت، هي الابجدية الكنعانية (الفنيقية) التي تؤكد صحة ما ذهبنا اليه في تعليلنا. فالشاطئ الشرقي للبحر الابيض المتوسط الذي سكنه الكنعانيون القادمون من الجزيرة العربية قبل آلاف السنين كان دوما مركز التقاء الحضارات، وبالتالي فان ابجديته الاولى هذه، هي تطوير لحصيلة الابداعيين للغتين، الهيروغلوفية الفرعونية والمسمارية السومرية.

فالكلمة بكونها تعبيرا من مكنونات العقل، هي الفعل الاول للانسان في بناء حضارته ولعل ما ورد في الانجيل (في البدأ كانت الكلمة) هو دلالة على هذا المعنى، وكذلك فان ما ورد في القرآن الكريم (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق) يختصر عملية النشوء وبدء الحضارة.
· مقتبس من كتاب الانسان والحضارة، لمؤلفه عبد المجيد عبد الملك.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close