لماذا يغني الانسان في خلوته ؟

د. رضا العطار

للفنون في تاريخ الشعوب دور كبير، اذ يقف عنده المؤرخ، يعطيه ما هو جدير به من عناية، لان الفنون ما هي الا انتاج انساني خالص يصور روح الشعب واحساسه ومشاعره وذوقه ومستواه الثقافي والاقتصادي في احيان كثيرة, وسواء كان الفنان مبدعا موهوبا يبتكر اسلوبا جديدا في التعبير الفني او كان صانعا يحافظ بعمله على تقليد فن متوارث نابع من طبيعة الشعب الذي ينتسب اليه، فلا بد له من الاخلاص والاتقان في كل اصنافه، لان الفن في صميمه يقوم على الصدق مثلما يقوم على الاتقان.

وقد ظن العرب، اهل المحافظة على الموروثات ان الفن شر ينبغي تجنبه, معتقدين انه تعبير عن غرائز فاسدة يجب محاربتها. ومن عباراتهم في ذلك – ان الانسان لا ينبغي ان يشتغل بما يشغله عن العبادة والتفكير في الله – وتقيدوا بالقرأن منذ البدأ, فقد جعلتهم الروح البدوية السائدة يقاطعون كلما يتصل بالفنون الجميلة, لآن البدوي يكره بطبيعته جميع ضروب الترف والحضارة، اذ انه غرس ارضه الصحراوية القاحلة، لا يحتاج الى فنون وصارت الموسيقى والغناء في عين الاعراب لهوا يتلهى به السكارى. وقد بلغ من احتقارهم لها ان منعت شهادة المغني والموسيقي امام القاضي. وقد اكتسبنا نحن بحكم التقاليد هذه شيئا من هذا النظر للموسيقى والغناء, فمعظم من يذهب منا لسماعهما يحتاج الى الشراب.

لقد كان القدامى من العرب ذو النزعة البدوية قد اثبطوا كل محاولة لمن كان مهيئا بطبعه لخدمة الفن وترقيتها, حتى ان الآمام الغزالي الذي لم يبلغ احدا مبلغه في الفهم او ثقافة عصره, يقول في الفنون : ( وليتجنب المسلم صناعة النقش والصياغة وتشييد البنيان بالحصى وجميع ما تزخرف به الدنيا، فكل ذلك مكروه ).

ان التعبير الفني جزء من طبيعة الانسان . فاذا الانسان دفعته فطرته ان يغني في خلوته, فليس من الضروري ان يفعل ذلك لانه قليل الرزانة والادب, بل هو يغني لانه انسان، له مشاعر واحساسات، يعبر عنها بشكل فطري عندما يجد الفرصة مؤاتية.
وكذلك الحال في التصوير والنحت وغير ذلك من ضروب التعبير الفني, فكلها تصور لنا الطبع البشري الذي يميل الى الجمال وتصوير الجمال ومشاهدة الجمال ومحاكاته.

والانسان البدائي الذي خلف لنا رسومه على صخور جدران الكهوف في العصور السحيقة لم يكن خليعا ولا فاسقا، انما كان محض انسان وقد احس بالجمال فشعر بانسانيته ودفعه شعوره الى التعبير عما يختلج صدره من مشاعر فانطلق يرسم على السليقة بما جادت به قريحته, فكانت تلك المرحلة هي الخطوة الاولى نحو الرقي.

* مقتبس من كتاب حرية الفكر للموسوعي سلامه موسى.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close