بين تفاهة الحياة .. وعار تشريع ملك اليمين؟

خضير طاهر
إتصل الصديق خالد مروان من مكان إقامته في لندن عبر المسنجر لتهنئتي بمناسبة عيد ميلادي الذي صادف في 16 شباط ، كنت وقتها قد رجعت الى العراق بعد فراق دام 25 عاما ،خذلتني دموعي عند وصولي ولقائي بالعائلة ، لم أصل في حرارة مشاعري الى درجة البكاء والمشاركة في لحظة إرتفاع درجة العواطف العائلية ، مؤكد ليس بسبب قساوة القلب ، لكني كنت قد تعبت وتقلصت طاقتي على الحياة ، كانت رحلة لقتل الحنين ، فقد إكتشفت ضألة قيمة وطن مسقط الرأس وما يحيطه من خيالات وأوهام ، وطن ولدنا فيه دون إختيارنا ، وكان سجنا وعذابا لنا ، عند الرجوع الى أميركا لم يتبقى في نفسي من العراق غير الإلتزام الأخلاقي نحو الناس التي تعيش فيه ومشاركتهم أوجاعهم .. فيما بعد تطورت رؤيتي السياسية وأصبحت مقتنعا بإن إبتكار فكرة الأوطان من قبل البشر هي فكرة خاطئة ومخزية على الضمير الإنساني ، ( فالوطن هو نتاج فكرة أنانية وعنصرية بحيث مجموعة من البشر تحتكر الثروات وقطعة من الأرض تضع لها الحدود و الموانع بين المجاميع البشرية الأخرى ) لا أعرف إن كانت توجد طروحات فكرية سبقتني في الحديث عن هذه الرؤية من منظور إنساني معرفي وليس أيديولوجيا ، وطبعا أنا ضد فكرة الأممية الشيوعية ومفهوم الأمة الإسلامية أو القومية وسائرالأديولوجيات .. فالبشر بما أنهم شركاء يعيشون على كوكب الأرض يفترض بهم لو كان أخيارا عقلاء إنشاء نظام عالمي عادل للجميع يوزع الثروات على كافة سكان الأرض ويفتح الحدود بينهم ، لكن الإنسان في أصل تكوينه كائن أناني شرير لهذا فشل في تحقيق العدالة على الأرض ، علما قسم من هذه الأفكار مشتركة بيني وبين خالد مروان .
– (( بمناسبة عيد ميلادك كيف ترى الحياة .. هل لها معنى ؟))
سألني خالد .. وهو يعرف إهتمامي المبكر من حياتي بالأدب والفكر الوجودي وحالة الصراع التي كانت تنمو في داخلي في غفلة مني بين قناعاتي الدينية وبين طروحات الوجودية حول : الجدوى والمعنى للحياة ، كانت ردة فعلي الدفاعية المحتمية بالقينيات الدينية والافكار الجاهزة تمارس عملية قمع للفكر النقدي التحليلي على مستوى الشعور ، ولم أكن اعرف انها مجرد طمأنينة وهمية زائفة ، فقدت كانت تجري في مكان ما من مناطق اللاشعور عمليات نمو وتبلور لحياة فكرية أخرى تنتظر فرصة الظهور الى السطح .
بعد بلوغي الخمسين من العمر إنتبهت بفضل الأنترنت وعن طريق الإطلاع على الرأي الآخر المخالف لقناعاتي الى خطورة تشريع سبي النساء – ملك اليمين في الأديان ومن المؤسف في الماضي كنت أمر على هذا التشريع بصورة عابرة من دون فحص نقدي من منظور قيم العدالة وحقوق الإنسان ، كنت مثل جميع المتدينيين أعيش تحت سطوة المعتقد الذي أغلق أبواب الفكر والمساءلة ، وتشريع السبي ورد في الكتاب المقدس والقرآن ، ففي العهد القديم سفر التثنية شرع هذا الأمر وإدعى الكتاب المقدس ان الرب يأمر المحارب المنتصر بأخذ المرأة سبية وحلاقة شعر رأسها وتركها جالسة خارج البيت عدة أسابيع ثم يتم إغتصابها وإستعبادها للأبد ، وفي القرآن شُرع ملك اليمين بأعداد مفتوحة بلا نهاية وسمح بأن تختطف المرأة من بين أطفالها بعد ان يكون قد قُتل زوجها وأبيها وأخوانها وعشيرتها في المعركة ، تؤخذ المرأة رغما عن إرادتها حتى لو كانت غير مشاركة في المعركة ، وتصبح سبية تغتصب دون عقد قران ، وتبقى طوال حياتها مستعبدة من دون ذنب !
إستفقت هلعا على بشاعة تشريع سبي النساء ، وشعرت بالعار من الإنتماء الى دين يسمح بهذه الجريمة الهمجية ، ثم تواصلت إنهيارات دفاعاتي وتبريراتي الدينية أمام أصوات انفجارات المفخخات وقطع الرؤوس وغيرها من جرائم الإرهاب .
– (( تخلصت من أوهام المعنى بعد ترك الاديان عزيزي خالد )).
– (( ألا يوجد معنى للحياة في مكان آخر في الواقع الموضوعي أو العالم الإفتراضي التصوري ؟))
كان في داخلي صوت المعلم بوذا أسمع صراخه (( الحياة شر )) وورطه في أصل وجودها ، وكان التحليل النفسي ينبهني الى ضرورة التعرف على الدوافع الكامنة للفكر والمشاعر والسلوك مما وفر لي الحماية من التعلق بالأحلام والرغبات .. لكن معلمنا الجميل بوذا هو الأخر سقط في شرك أوهام الحصول على الحرية بعد التخلص من إستعباد الحياة ولم ينتبه اننا سنظل ندور داخل سجن إصطبل هذه الحياة ، ليس هناك حرية في هذا المعتقل الكبير ، وسنواصل السير مرغمين نحو حتفنا بإتجاه الموت !
توجهت بالسؤال الى خالد :
– (( أين نجد المعنى ، والموت ينتظر للإنقضاض علينا في أية لحظة هو يحددها ، أين المعنى والإنسان خلق شريرا ولم يزرع فيه الرب حب الخير والعدالة ، ماقيمة الحياة إذا كانت مملؤة بالظلم والفقراء والجياع والمرضى .. والرب يتفرج ولايتدخل لمساعدة مخلوقاته !))
– (( يعني لاتوجد شموع ولاحفلة عيد الميلاد اليوم ؟))
حاول خالد مروان كسر الجو الكئيب للحوار ، وفي هذه الأثناء جاء لزيارتي قريبي وصديق طفولتي ورفيقي الماضي في جولات الزيارات للأضرحة الدينية والصلاة في المساجد ، شكى لي من ظرف صعب مر به ورجاني أن أدعو له في صلاة الليل .. ولم أكن أرغب بإحداث صدمة لديه وأجعله يخيب ظنة بصديق طفولته ، تركته في أوهامه ، وإحتضنت جرحي الوجودي وأنا أشهد عجزي عن إيجاد حل منطقي لتقبل ورطة الحياة وتفاهتها !

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close