ما بين كاتب الحقيقة و كاتب العقيدة

بقلم مهدي قاسم

1ــ كاتب الحقيقة :

هو كاتب حر و مستقل ، يمكن القول أنه متحرر من جميع قيود
الأدلجة و العقائد الشمولية ، و في الوقت نفسه متخلص ذهنيا و سلوكيا من عصبيات و انتماءات متقوقعة و انحيازات ضيقة ، و بالتالي فلا يهمه غير قول الحق و الحقيقة ، بكل صدق و صراحة ، مهما كانت أو تكون جارحة في بعض الأحيان من شدة صدقها و صراحتها ، لأنه يعتبر قول
الحق و الحقيقة جزءا رئيسيا و راسخا من قيمه و مبادئه الأساسية التي تشكل أعمدة متينة لقيم الشرف و النزاهة و الاستقامة و الأخلاق العالية عنده و التي يحملها في كل زمان و مكان ، مهما تغيرت الظروف و الأحوال و انحدرت قيم و مبادئ اجتماعية عند البعض نحو الحضيض ،
ربما لهذا السبب يكون هو كاتبا مكروها و لكن مبعث احترام في نفس الوقت وفي معظم الأحوال .

أقول قد يبغضونه لهذا السبب ولكنهم يحترمونه في قرارة أنفسهم
لصدقه و صراحته ووقوفه إلى جانب حق بل لقوله الحق بصوت عال وبنبرة واضحة ..

فالقراء الكرام عادة يحترمون كاتبا من هذا الصنف و الطراز
و يوّدون قراءة ما يكتبه على الدوام ، لأنهم يشعرون و كأنه يعبر عن ما يجيش في قلوبهم و ما يجري في أذهانهم من أفكار و تصورات و مواقف ..

2 ـ كاتب العقيدة :

أما كاتب العقيدة و القوالب العتيدة !! فأمره ميؤوس منه
، إذ لا يهمه قول الحق و الحقيقة لا من قريب و لا من بعيد !، ولا يعنيه الوقوف إلى جانب الحق ضد الظلم والباطل ، بقدر ما يهمه بالدرجة الأولى و الأخيرة الدفاع المستميت عن الأباطيل و الأضاليل التي تشكل بعض أسس عقيدته التي يؤمن بها إيمانا متعصبا أعمى ، فيرى من
واجبه الدفاع عنها حتى ولو عن باطل ، حتى ولو اقتضى الأمر السكوت عن الظلم و التظاهر بالخرس عند قول الحق ، وفي الحقيقة فهو لا يعتبر نفسه كاتبا أصلا ، إنما مقاتلا جبارا على جبهة العقائد أو ناصية الأحزاب ، فنجده يصمت عن الظلم حينا و عن قول الحق في زمن الباطل حينا
آخر و يموه مشوّها الحقيقة ويغطى عليها حينا ثالثا ، بذريعة حماية سمعة عقيدته مثلما يتصور جازما ..

لكونه يعتقد بأن عقيدته هي اسمى العقائد و افضلها نقاوة
و إنسانية و أسمى من أن تُنتقد !!، بالرغم من علمه الجيد أن التجارب قد اثبتت عقمها و سقمها و جدبها و أنها لا تصلح غير للأرشفة و أن العصر قد تجاوزها بمنجزاته إلى أبعد حدود ، وأنها باتت نفقا مظلما و عبئا مرهقا على كاهل الناس ..

ولكن عبثا ..

فهو كمدمن عالق في شراك الإيمان الأعمى و البطلان الأغبى
، فلا يستطيع إلا الدفاع الشرس و التعصب المهووس عن هذه العقيدة او عن تلك العقيدة المجدبة ، و ذلك بحكم التعود الآلي والتطبع الصبياني الغّر والتلوث الذهني البيئوي ، فنراه يسكت مجانبا قول الحق و يختلق الأكاذيب لكي يغطي الحقيقة بغربال الأكاذيب و التضليل ..

لأن العقيدة عنده أهم من قول الحق و الحقيقة ، بل إذا
اقتضت ضرورة الدفاع عن العقيدة فهو مستعد أن يقف إلى جانب الظلم ليبرر حتى جرائم شنيعة وبشعة فظيعة ..

هذا الصنف من كّتاب ” مقاتلين ” على جبهة العقائد لا يحظون
بكثير من تقدير أو احترام عند غالبية القراء الأذكياء و الفطنين .

بينما كشف لنا التاريخ والأحداث السياسية البعيدة و القريبة
بأن العقيدة ــ مهما نسبت لنفسها قيما إنسانية نبيلة وسامية ــ فهي قد اضحت مرار أداة قتل و ارتكاب مجازر وإذلال بشر على مر العصور .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close