السيسي ينصَّب نفسه دكتاتورا مطلقاً على شعب مصر

كاظم حبيب

انطلق الشعب المصري بثورته المظفرة ضد النظام السياسي الفردي، ضد فردية رئيس الجمهورية محمد حسني مبارك وضد الظلم والفقر والفساد، ثم انتفض على حكم الاخوان المسلمين والرئيس الاخواني محمد مرسي بسبب سياساته المنافية للدستور المصري وللحياة الديمقراطية والتعددية، وبهدف اقامة الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي. وانتصر بإسقاط هذا الدكتاتور الإسلامي السياسي الجديد. ولكن هذا الانتصار سرق بين عشية وضحاها، سرق بقرار مسبق، إذ ركب القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع في مجلس وزراء محمد مرسي عبد الفتاح السيسي الموجة الثورية وساهم في الإطاحة بمرسي، وادعى العمل على وضع دستور ديمقراطي وإقامة حياة دستورية ديمقراطية وإطلاق الحريات للشعب وتأمين التطور الاقتصادي في البلاد. فانتخب رئيساً للجمهورية. ولكن الرجل وحالما تسلم السلطة بدأ بتهيئة شروط تنصيب نفسه رئيساً للجمهورية مدى الحياة وإجراء تعديلات في الدستور، على وفق رغباته وعبر مجلس نواب مليء باتباعه وجمهرة من الانتهازيين المستعدين خيانة ضميرهم في مقابل تحقيق مصالحهم الذاتية على حساب مصالح الشعب ولقمة عيش الفقراء. وبعد ان هيمن على الحكم كرس هيمنته على السلطات الثلاث ومؤسساتها وعلى الاعلام المصري، بدأ بوضع تعديلات على الدستور لتسمح له بتحقيق عدة مسائل جوهرية والوصول من خلالها إلى فرض الحكم المطلق، الشمولي:

** ان يصبح رئيساً للجمهورية حتى العام 2040، وأن تكون كل دورة رئاسية ست سنوات بدلاً من أربع سنوات، ثم يمكن تمديدها بتعديلات اخرى ليكون رئيساً مدى الحياة. وتشير بعض الصحف المصرية إلى أن السيسي بدأ يهيئ نجله الضابط محمود السيسي لهذا المنصب، كما كان يريد أن يفعل ذلك محمد حسني مبارك، لاسيما وأنه قد كلف بوضع الملامح الأساسية للتعديلات الدستورية على وفق تصور الوالد في مقر جهاز الاستخبارات العامة وبمساعدة المستشار القانوني، محمد بهاء أبو شقة. كما تشير الصحف والمواقع إلى “ترقية ابنه محمود الضابط بالمخابرات العامة ترقية استثنائية من رتبة رائد لرتبة عميد، وتعيينه نائبا لرئيس جهاز المخابرات العامة، الذي ترأسه مؤخرا مدير مكتب السيسي السابق اللواء عباس كامل “خزنة أسرار السيسي”. (راجع: محمد مغاور، على خطى نجلي مبارك: أبناء السيسي يصنعون إمبراطورية بالرقابة والمخابرات، موقع عربي 21، 22 تموز/يوليو 2018).

** ان يكرس دستورياً، وليس عملياً حسب، هيمنته التامة على السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية وكذلك على الاعلام، وبالتالي ان يصبح الدكتاتور المطلق غير الخاضع لأي رقابة، وهو ما لم يحلم به مبارك ولم يصل إليه. فله الحق بإقالة الوزارة وتشكيل وزارة جديدة وتعيين الوزراء دون العودة لمجلس النواب، وإنشاء مجلس أعلى للهيئات القضائية للنظر في الشئون المشتركة للجهات والهيئات

القضائية يرأسه رئيس الجمهورية، أي السيسي نفسه، ومن حقه اختيار رئيس المحكمة الدستورية العليا، كما تمنح التعديلات الجديدة صلاحيات تتجاوز صلاحيات مجلس النواب، ويتحول غالبية النواب إلى بيادق يحركها السيسي كما يشاء.

** القضاء على اي شكل من أشكال الحياة الديمقراطية وتحويل المؤسسات الدستورية القائمة الى مجرد هياكل شكلية لا تملك أي سلطة في الإفتاء أو الفصل في القضايا الدستورية، وبعيدة عن إرادة ومصالح الشعب وستكون المأمور المطيع لرئيس الجمهورية.

** فرض السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسات الخارجية بما تخدم مصالحه ومصالح الضباط الكبار والطغمة الحاكمة معه وعلى حساب مصالح الشعب المصري وحياته ومستقبل أجياله، لاسيما وهو الذي يقرر من يكون في مجلس الوزراء والسياسة الاقتصادية الاجتماعية التي ينبغي انتهاجها في مصر. إن هذه التعديلات تعيد مصر إلى العهد الملكي الوراثي، على موضة “الجمهورية الوراثية”، ولكن بدون الهامش الديمقراطي الذي عرفته مصر نسبياً في عهد الملك فاروق.

ان ما يجرًي اليوم في مصر هو أسوأ بكثير جداً عما كان عليه الوضع في عهد محمد حسني مبارك السيء والذي سمح بالوصول الى هذه النتيجة المحزنة في مصر. فإذا كان المئات من السياسيين في مصر في فترة مبارك في السجون والمعتقلات، فأن السجون والمعتقلات المصرية حالياً مليئة بمعتقلي وسجناء الرأي من السياسيين المخالفين لسياسات السيسي، والكثير منهم ممن شارك في التغييرات صوب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان التي حصلت في مصر، ويقدر عددهم بين 60-100 ألف معتقل وسجين. وتمارس أجهزة الأمن والشرطة والمحققين شتى صنوف وأساليب وأدوات التعذيب النفسي والجسدي وضد عائلاتهم أيضاً. وقد أدى السيسي في لقاء تلفزيوني صحفي بأن ليس في مصر سجناء سياسيين بل هم إرهابيون. وفي خطاب للرئيس عبد الفتاح السيسي قال بالحرف الواحد “اسمعوا كلامي أنا بس”، حين كان يحاول الطعن بنقد المعارضة للسياسات المصرية. ألا يعني هذا أن ليس من حق أحد أن يخالف رأي وكلام السيسي، اليس هذا أسلوب وحديث الطغاة، ألا يذكرنا هذا بحديث صدام حسين عام 1978 حين قال في ندوة تلفزيونية وأمام جمهور واسع “حين أقول إن عدد نفوس الشعب العراقي 13 مليون فهذا قانون وعلى الجميع الالتزام به ولا يجوز مخالفته!”، وبهذا كان يعارض ما نشره الجهاز المركزي للإحصاء.

إن هذا الواقع المرير يقترن بمزيد من المديونية للمؤسسات المالية الدولية من جهة، وتفاقم البطالة إلى حدود (10%) من القوى القادرة على العمل من جهة ثانية، وتفاقم حالة الفقر ونسبة العوائل الفقيرة التي تعيش تحت خط الفقر عالية جداً وتبلغ حالياً بحدود 27,5% من مجموع السكان البالغ حالياً 104 مليون نسمة، أي بأكثر من 28 مليون نسمة، وهناك الملايين التي تعيش على خط الفقر، وتلك التي

تعيش فوق خط الفقر بقليل، ثم بدأت تتبخر الطبقة الوسطى من المجتمع المصري، وقد كتب منذ سنوات الكاتب المصري الفقيد رمزي زكياً كتاب بعنوان “وداعاً للطبقة الوسطى”، إضافة إلى نسبة التضخم العالية التي بلغت في شهر كانون الثاني/يناير 2019 (43.45 %)، والارتفاع المستمر في أسعار الحاجات الاستهلاكية الأساسية لغالبية السكان، مما يزيد من بؤس وفاقة الفئات الاجتماعية الكادحة وتلك التي تعيش على هامش الاقتصاد والمجتمع المصري، إضافة إلى إلغاء الحكومة المصرية دعمها لعدد مهم من الحاجيات الاستهلاكية الأساسية، ومنها الكهرباء، بناء على نصائح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي المتحكم حالياً بوجهة السياسة الاقتصادية بمصر منذ العام 2014 ولا تزال مستمرة في تنشيط هذه الوجهة في إلغاء الدعم. وقد كتب السيد همام سرحان مقالاً بعنوان: إلغاء الدعم في مصر.. “القرار الخاطئ” أم “الدواء المرّ”؟ ما يلي: ” بعد مرور شهر على سلسلة القرارات الي أصدرتها الحكومة المصرية مؤخرًا، بالرفع الجزئي للدعم عن أسعار المحروقات (السولار، البنزين، الغاز الطبيعي)، والكهرباء والمياه، يبدو أن المواطن المشغول بالجري وراء لقمة العيش، لم يجد بُدّا من الاستسلام للأمر الواقع، رغم ما أصاب ميزانيته الضعيفة أصلا من تدهور جراء ارتفاع أسعار معظم السلع والخدمات الأساسية” (راجع: موقع SWI الإلكتروني) وقد أثار هذا غضب الشارع المصري، كما تثيره الآن سياسات النظام السيسي الاقتصادية والاجتماعية. وهي السياسة التي تقود الكثير من العائلات إلى حالة العدم وتراجع مستمر للفئة المتوسطة وانحدارها في أحضان العائلات الفقيرة.

كتب الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق الكثير من الكتب المهمة ولكن أبرز كتابين في المرحلة الراهنة هما كتاب “اقتصاديات الفساد في مصر” حيث نشر، وكتاب “هل مصر بلد فقير حقا؟ وإذ يتحدث في الكتاب الأول عن حجم الفساد الهائل وتطوره منذ عهد حسني مبارك ومع “الانفتاح الاقتصادي: والأخذ ببرنامج صندوق النقد الدولي “التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي”، واعتباره نظاماً سائداً في مصر وفي كل المستويات. أما الكتاب الثاني الذي يتحدث عن واقع الفقر في مصر وأسبابه وأن مصر ليست فقيرة ولكن سياسات الدولة والانفتاح الاقتصادي وعن الهدر الحكومي وحجم الفساد الهائل في مصر وعن أساليب المحاسبة الرأسمالية.. الخ، باعتباره السبب وراء هذا الفقر العام والحديث عن مصر دولة فقيرة، في حين أن هناك من يفقرها يومياً. فقد صودرت مسودته وقبل نشره من المطبعة من قبل جهاز الأمن الوطني، رغم حصوله قبل ذاك على أذن بالنشر. ولم يكتف الأمن الوطني بذلك بل “ألقت قوات الأمن المصري، أمس الأحد، القبض على أستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة، مؤلف كتاب “هل مصر فقيرة حقاً”، عبد الخالق فاروق والذي اقتيد إلى قسم شرطة مدينة الشروق، شرقي العاصمة القاهرة، وفقاً لتدوينة كتبتها زوجته نجلاء سلامة، على حسابه الشخصي عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”. كما “وسبق أن أخفت أجهزة الأمن صاحب مطبعة دار السلام، إبراهيم الخطيب، الذي تولى طباعة كتاب الخبير الاقتصادي البارز، وذلك من مقر عمله بواسطة رجال أمن بزي مدني، بمؤازرة ضباط من جهاز الأمن الوطني، من دون سند قانوني أو إذن من النيابة العامة، ومن غير المعلوم مكان احتجازه حتى الآن،

علماً بأن النيابة أصدرت قراراً بإخلاء سبيله.” (راجع: هل مصر بلد فقير حقاً؟، ملخص كتاب قاد عبد الخالق فاروق للاعتقال، موقع العربي الجديد، القاهرة في 22 تشرين الأول/أكتوبر 2018).

والسؤال: هل سيقبل الشعب المصري بهذا الوضع الاستبدادي الرجيم، ام سينتفض مجددا، بالرغم من كل أشكال الإرهاب التي يتعرض لها الشعب المصري؟ لا اعتقد بأن هذا الشعب المقدام سيقبل بهذا الوضع، رغم ما عراف عنه من صبر ونفس طويل في تحمل المصائب والكوارث. ولكن حين تدق الساعة، حين يمتلئ كأس البؤس والفاقة والجوع والحرمان، وحين يزداد الضغط عبر الاعتقال والتعذيب والحبس، وحين يُسكت كل صوت معارض بشتى السبل، أو يجبر على ترك البلاد، وحين تداس كرامة الإنسان وتنحر حرياته وحقوق الأساسية، وحين تلتقي العوامل الموضوعية بالعوامل الذاتية وتنضج عوامل الحالة الثورية، عندها ينقلب السحر على الساحر، عندها يعيش الشعب عرساً جديداً، عندها تزهر براعم الربيع الثاني وتعلن الحراك الشعبية الديمقراطية عملية الخلاص من الدكتاتورية والدكتاتور لإقامة الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي المتحرر. لا يمكن الخلاص من هذا الوضع إلا بإيجاد لغة مشتركة وأهدافاً نضالية مشتركة بين قوى المعارضة المصرية أولاً، والتزام العمل لبناء الثقة مع الشعب والتحري عن لغة مشتركة معه وتبني إرادة ومصالح وتطلعات الشعب المصري ثانياً. لا يمكن لأي دكتاتور التغلب على إرادة الشعب، إن أحسنت قوى المعارضة من دورها وفعلها المشترك وتبني برنامج مشترك لا يكشف عن عورات النظام فحسب، بل ويطرح الأهداف التي يناضل من أجلها الشعب والاستعداد للتضحية من أجلها.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close