الإدمان على عبودية البعث!

عبدالخالق حسين

جاء في تقرير مع (فيديو) بعنوان: (صدام حسين يتسبب بمشاكل جمة لشاعر عراقي!) بثته محطة (RT) ونشر على مواقع التواصل الاجتماعي، مفاده أن شاعراً شعبياً في مدينة الناصرية مدح صدام حسين، وتهجم على السياسيين الحاليين في بلاده.

وقد سأل منسق إحدى مجموعات النقاش، كاتب هذه السطور مشارك فيها، وهو الصديق الدكتور محمد حسين علي، مشكوراً، عن رأينا في ((ما تؤول الحالة له لو اطلق العنان لأحباء (…) صدام أعداء الشعب في التمادي في الاستهانة بدماء الملايين من الشهداء ضحايا(…) صدام))، خاصة وقد جاء في التقرير: ( أنه لا يوجد أي سند في القانون العراقي يعاقب على مدح الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، رغم وجود قانون يحظر حزب البعث الذي كان يتزعمه.)

لا شك أن الوضع العراقي في غاية التعقيد، فالذين تسلموا السلطة ما بعد صدام لم يكونوا بمستوى المسؤولية، لأنهم لم يتدربوا على الحكم كما حال المعارضة في الدول الديمقراطية، فمعارضو الحكم البعثي الساقط كانوا في الشتات يعانون من شظف العيش، إضافة إلى التركة الثقيلة من الخراب البشري والمادي التي ورثوها من العهد الساقط، وخاصة فيما يخص تقديم الخدمات، وإعمار العراق، إضافة إلى تفشي الفساد في جميع مفاصل الدولة، مما فسح المجال لأيتام صدام استغلال الوضع البائس، والحرية المطلقة التي وفرها لهم النظام الديمقراطي، لبث سمومهم، وتشويه صورة العراق الجديد، والترويج لعبارات مثل قولهم (فساد المسؤولين بيّض وجه صدام…وبسم الدين باكونا الحرامية، الخ).

وفيما يتعلق بمقولة (أنه لا يوجد أي سند في القانون العراقي يعاقب على مدح الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين…الخ). اعتقد هذا خطأ. فقد جاء في الدستور العراقي الدائم لسنة 2005، في مادته السابعة (أولاً) ما يلي:

(يحظر كل كيانٍ او نهجٍ يتبنى العنصرية او الارهاب او التكفير أو التطهير الطائفي، او يحرض أو يمهد أو يمجد او يروج أو يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه، وتحت أي مسمىً كان، ولا يجوز ان يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون.)

ومن هذه المادة نعرف أن الدستور العراقي يعاقب على مدح أو تمجيد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين وحزبه الفاشي.

أعداء الحرية

إن ما يجري من محاولات لتشويه صورة العراق الجديد، وخاصة من قبل أيتام النظام البائد، ناتج عن سوء استخدام حرية التعبير التي كفلها الدستور. ولكن في نفس الوقت يجب أن نعرف أن الحرية والمسؤولية وجهان لعملة واحدة. فالحرية بلا مسؤولية يستغلها أعداء الحرية لإفشال العملية السياسية، ويمارسها الحيوان في الغابة.

وفيما يخص أعداء الحرية، علق الصديق الدكتور محمد حسين علي، وهو أخصائي في الأمراض النفسية، قائلاً: « ولقد أجرى احد تلاميذ (سيغموند فرويد) وهو (أريك فروم) دراسة على بعض الناس واكتشف (ان بعض الناس لا يعرفون ماذَا يفعلون بالحرية اذا اكتسبوها)، فكأنه يوجد بين الناس من لا يعطي الحرية اي قيمة بينما اغلب الناس يعطون الحرية أعلى قيمة ترقى الى قيمة الحياة نفسها ،، وقد قال مفكر حر قولا أثيراً ومشهورا وهو (Give Me Liberty Or Give Me Death) ،، وقد قام (اريك فروم) بتأليف كتاب اسماه (الهروب من الحرية) او (Escape From Freedom). ويبدو ان نفس الحالة تحدث الآن في نفوس بعض العراقيين ،، هناك البعض من يتمنى ان يعود عهد (…) صدام

وعهد حزب البعث الرديء من ناقصي العقل والضمير … وهو غير عابيء بمآل الملايين من الشهداء، ضحايا ذلك الغول الرهيب والعهد البغيض ،، وليس عبثا ان كل الدول التي عانت من نظم ديكتاتورية ظالمة، أو من حروب سببها اشرار البشر لا يفتؤون يذكِّرون شعوبهم بما حدث في العهود المظلمة ،، ويركزون على دراسة التاريخ! والاستفادة من دروسه». انتهى

نعم، في العراق مشكلة سايكولوجية يعاني منها المجتمع العراقي ما بعد البعث. فحكم البعث كان يرغم الناس على تمجيد صدام حسين وحزبه، ومن يخالف ذلك كان معرضاً للتصفية الجسدية، أو الفرار بجلده للخارج. وهذا ما دفع خمسة ملايين عراقي مغادرة البلاد طلباً للعيش بكرامة. لذلك سميت دولة البعث بـ(دولة المنظمة السرية) حسب تعبير البعثي السابق حسن العلوي، و(جمهورية الخوف) بتعبير كنعان مكية. ولهذا لم يعبأ الشعب بسقوطها إذ لم يدافع عنها.

ومهما كان الوضع الحالي من سوء، فهو لا يبرر تمجيد الجلاد صدام حسين، لأن هذا التمجيد إن دل على شيء فإنما يدل على مرض نفسي يعاني منه فلول البعث، وحتى البعض من ضحايا البعث الصدامي الجائر من الذين استمرؤوا الذل والهوان إلى حد الإدمان. فالإدمان مرض عضال يضر بصحة الإنسان، وكرامته، وعقله وممتلكاته، مثل الإدمان على القمار، والكحول، وغيرها من المخدرات المدمرة. وكذلك هناك الإدمان على الذل والعبودية. وما تمجيد أولئك لصدام و عهده المظلم الجائر إلا نوع من هذا الإدمان ومرض المازوخية، أي التلذذ بتعذيب الذات.

يقول فكتور هيجو: تبدأ الحرية حين ينتهي الجهل، لأن منح الحرية لجاهل كمنح السلام لمجنون.

لقد بات معروفاً أن صدام حسين هو أكثر من استهان بسيادة العراق، فقد تنازل عن الكثير من الأراضي لدول الجوار، وأعاد العراق إلى ما قبل تأسيس الدولة الوطنية والقومية، حيث أحيا العشائرية، وقانون حكم العشائر، وأشاع هوية المكونات على حساب الهوية الوطنية العراقية، وجعل العراق عبارة عن اتحاد عشائري، ناصباً نفسه شيخ المشايخ، وكان يجمع الشيوخ المخصيين وهم يرقصون له أمام شاشات التلفزة، رغماً عنهم، يرددون أهزوجة (صدام اسمك هز أمريكا) و (بالروح بالدم نفديك يا صدام) إلى آخره من وصمات العار، وأخيراً شاهدوا نهاية صدام المخزية، أنه حقاً كان نمراً من ورق، وكيف أخرجه الأمريكان كالجرذ المرعوب من الحفرة الحقيرة.

يجب أن يعرف مداحو صدام، أن سيدهم أذل الشعب والجيش في العراق، واستهان بسيادته الوطنية، وكل مقدراته. وأولئك الذين يمتدحون الجيش العراقي في عهد صدام نذكرهم بالصورة المخزية لجندي عراقي وهو يقبل جزمة الجندي الأمريكي في صحراء السعودية في حرب تحرير الكويت، وهو يتوسل بالجندي الأمريكي:(خلصنا ألله يخلصك). هذي اللقطة المذلة راحت تلفزيونات إسرائيل تبثها عدة مرات يومياً ولفترة طويلة لتحطيم معنوية الجيش العراقي الذي كانوا يرددون أن إسرائيل لا تخاف إلا من هذا الجيش و أنهم يسمونه بالجيش الوحشي!! ولا أعرف إن كانت الوحشية تستحق الثناء! هذا هو تاريخ سيدكم صدام حسين، ولكن يبدو أن ذاكرة البعض أقصر من ذاكرة السمكة !.

واليوم يريد البعض من هؤلاء أن يجعل من نفسه بطلاً بالتجاوز على القوانين وتمجيد صدام. في الحقيقة إن أي نقد للحكومة الديمقراطية لا يجعل من الناقد بطلاً، بل يُنظر إلى نقده هل هو حق أو باطل، وما الغاية منه، هل هو لإصلاح الأخطاء، أم لتبييض وجه النظام الجائر الساقط. فإذا كان للإصلاح فهو ناقد وطني يُحمد عليه، أما إذا كان لتمجيد صدام فهو متوهم إذ لا يختلف عن السيئ الصيت دونكيشوت، ولا يمكن اعتباره بطلاً على أي حال، لأن النظام الديمقراطي يكفل حرية النقد والتعبير، ولكن ضمن القانون. وفي هذا الخصوص يقول الرئيس الأمريكي الأسبق، توماس جيفرسن: (إذا كان الشعب يخاف من الحكومة، فهذا استبداد، وإذا كانت الحكومة تخاف من الشعب فهذه ديمقراطية).

سايكولوجية الجماهير

يقول المفكر الفرنسي غوستاف لوبون في هذا الخصوص في كتابه «سيكولوجية الجماهير»: «إن الاستبداد والتعصب يشكلان بالنسبة للجماهير عواطف واضحة جدا، وهي تحتملها بنفس السهولة التي تمارسها. فهي تحترم القوة ولا تميل إلى احترام الطيبة التي تعتبرها شكلا من أشكال الضعف. وما كانت عواطفها متجهة قط نحو الزعماء الرحيمين والطيبي القلب، وإنما نحو المستبدين الذين سيطروا عليها بقوة وبأس. وهي لا تقيم النصب التذكارية العالية إلا لهم. وإذا كانت تدوس بأقدامها الديكتاتور المخلوع فذلك لأنه قد فقد قوته ودخل بالتالي في خانة الضعفاء المحتقرين وغير المهابين. إن نمط البطل العزيز على قلب الجماهير هو ذلك الذي يتخذ هيئة القيصر. فخيلاؤه تجذبها، وهيبته تفرض نفسها عليها، وسيفه يرهبها». انتهى

هذا الوصف ينطبق على المجتمع العراقي بعد سقوط حكم البعث، وإقامة النظام الديمقراطي. نقول مرة أخرى، ومهما كانت أخطاء حكومات ما بعد 2003، إلا إنها لا يمكن أن تقارن مع جرائم البعث الصدامي أو أي بعث آخر، بحق الشعب العراقي وشعوب المنطقة، وقائمة جرائمه طويلة يعرفها القاصي والداني، ويكفي أن نذكر على سبيل المثال، تدميره للاقتصاد العراقي، وتجويعه وإذلاله للشعب، حيث كان الدينار العراقي قبل تسلط صدام على السلطة، يعادل 3.5 دولار أمريكي، بينما تدهورت قيمته في عهد رئاسته، فصار الدولار يعادل 3500 دينار (أي نسبة التضخم مليون بالمائة)، و صار راتب الأستاذ الجامعي يعادل 3 دولارات شهرياً، مما اضطروا إلى القيام بأعمال سواق التاكسي في المساء، وكثير من العراقيين باعوا أثاث بيوتهم لتوفير لقمة العيش، ومن كان ينتقد السلطة الفاشية كان يعرض نفسه للموت.

نعم، نحن مع النقد، فالنقد أساس التقدم، ولكن يجب أن يكون نقداً منصفاً ومسؤولاً، ومن أجل إصلاح الأخطاء، وخير الشعب، وليس نقداً لتمجيد البعث وتبييض وجهه القبيح، لإعادة سلطته الفاشية الداعشية التي أحرقت اليابس والأخضر، لأن أي تمجيد لعهد الفاشية دليل على إدمان البعض على العبودية وكرههم للحرية، والتجاوز عليها بسوء استخدامها، ولا يمكن أن نسكت عن هؤلاء ، فالساكت عن الحق شيطان أخرس.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com

مقالات أخرى للكاتب: http://www.alakhbaar.org/home/for-the-author/?auid=17

ـــــــــــــــــــــــ

ملحق

إلى المتباكين على عهد صدام

كما وصلني عبر بريدي الإلكتروني

أقترح إستحداث محافظه عراقيه جديدة، ويتم نقل جميع الذين يحنون للنظام البائد إليها، على أن يتم حكمها بنفس الأُسلوب البعثي الصدامي : — الساتلايت ممنوع — الموبايل ممنوع — الانترنت ممنوع — كتب دينية ممنوع — كتب ديمقراطية ممنوع — صحافة حرة ممنوع

— إذاعات خاصة ممنوع — إنتخابات ماكو — كل جمعة إجتماع بالفرقة الحزبية — السفر ممنوع ( إلاّ تدفع بدل سفر ٤٠٠ الف ) — الخدمة العسكرية إلزامية والراتب ١٨ الف دينار — إللي يسب الريس أو أحد أفراد عائلته إعدام — الإنتماء لأي حزب غير البعث إعدام — أي مظاهرات ضد النظام إعدام — زيارات مشي ممنوع — مجالس حسينية ممنوع — طبخ للحسين ممنوع — محاضرة للوائلي ممنوع — أغاني فؤاد سالم ممنوع — شعر مظفر النواب ممنوع — تربي لحية ممنوع — تلبس أسود ممنوع

و أوفر إلهم حصة تموينية كاملة متكاملة من الطحين و السكر و الشاي أنتهاءاً بشفرات الحلاقة و الشخـاط ) .. وأمنع أستيراد 90% من البضائع من خارج المحافظة .. و الـ10% من البضائع المسموح إستيرادها أخلّي سعرها ضعف الراتب ، وأخلّي تسعيرة كل حاجة حسب سعر عام 2003 يعني كيلو اللحم ب5000 دينار .. و قنينة الغاز بـ250 دينار .. و أنطي بيها راتب مقداره 12000 دينار . وشكو واحد يتحسر على أيام صدام و يسميها أيام الخير أجبره يعيش بيها !

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close