تأملات في القران الكريم ح417

سورة القلم الشريفة

بسم الله الرحمن الرحيم

إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ{17}

تستمر الآية الكريمة مضيفة ( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ ) , اختبرنا اهل مكة بالقحط والجوع , ( كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ) , اصحاب البستان , وهي قرية في اليمن , ( إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ) , حين اقسموا ان يقطعوا ويجنوا ثمارها في وقت مبكر , كي لا يشعر بهم احدا من المساكين وغيرهم الذين اعتادوا الحضور والتواجد في زمن جني الثمار , أملاً بالحصول على شيءٍ منه دون مقابل .

( عن الباقر عليه السلام إن أهل مكة ابتلوا بالجوع كما ابتلي أصحاب الجنة وهي جنة كانت في الدنيا وكانت باليمن يقال لها الرضوان على تسعة أميال من صنعاء ) . “تفسير القمي” .

وَلَا يَسْتَثْنُونَ{18}

تستمر الآية الكريمة مضيفة ( وَلَا يَسْتَثْنُونَ ) , يرى المفسرين في الآية الكريمة عدة اراء منه :

1- أي اقسموا على ان لا يستثنوا احدا من المساكين فيعطونه شيئا من الثمار .

2- اقسموا ولم يقولوا “ان شاء الله” , وسمي استثناء لما قرروا ان لا يخرجوا شيئا من الثمار .

فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ{19}

تستمر الآية الكريمة ( فَطَافَ عَلَيْهَا ) , على الجنة “البستان” , ( طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ ) , بلاء , ( وَهُمْ نَائِمُونَ ) , عندما كانوا نائمين .

فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ{20}

تستمر الآية الكريمة ( فَأَصْبَحَتْ ) , الجنة “البستان” , ( كَالصَّرِيمِ ) , محترقة , كالليل المظلم , او البستان الذي لم يبق شيئاً من ثماره يسمى صريم , والاكثر رجحانا ان الصريمان الليل والنهار .

فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ{21}

تستمر الآية الكريمة ( فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ ) , اصبحوا بعضهم ينادي بعض .

أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ{22}

تستمر الآية الكريمة تروي على لسان بعضهم ( أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ ) , اذهبوا الى زرعكم مبكرين , ( إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ ) , ان كنتم مصرين على قطع الثمار .

فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ{23}

تستمر الآية الكريمة ( فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ) , فانطلقوا مسرعين يتسارّون الحديث فيما بينهم .

أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ{24}

تستمر الآية الكريمة ( أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ ) , كان حديثهم فيما بينهم , ان لا يسمحوا لأي مسكين ان يدخل البستان .

وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ{25}

تستمر الآية الكريمة مضيفة ( وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ) , ظنوا انهم قادرين على تنكيد الفقراء والمساكين .

فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ{26}

تضيف الآية الكريمة ( فَلَمَّا رَأَوْهَا ) , فما رأوا البستان محترقاً متفحماً , ( قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ) , لم يصدقوا ان هذا البستان بستانهم , فقالوا مبهورين لابد واننا ضللنا الطريق .

بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ{27}

يستمر كلامهم في الآية الكريمة ( بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) , لما تأكدوا ان البستان بستانهم , قالوا اننا حرمنا “منعنا” خيراته , والسبب ما عزمنا عليه من البخل وطرد الفقراء والمساكين .

قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ{28}

تروي الآية الكريمة على لسان خيرهم “اعدلهم” ( قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ) , لولا تشكرون الله تعالى على ما اتاكم وتتوبون اليه جل وعلا من خبث نواياكم .

قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ{29}

تروي الآية الكريمة على لسانهم ( قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ) , بعد ان استوعبوا الصدمة وعادوا الى رشدهم , تنزه وتعالى ربنا ان يظلمنا , ولكننا ظلمنا انفسنا بسوء مقاصدنا .

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ{30}

تضيف الآية الكريمة ( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ ) , اقبل بعضهم يلوم البعض الاخر بترك الاستثناء “ان شاء الله” او على سوء النية .

قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ{31}

تروي الآية الكريمة على لسانهم ( قَالُوا يَا وَيْلَنَا ) , دعوا على انفسهم بالويل والثبور , ( إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ) , ثم معترفين على انفسهم بانهم كانوا متجاوزين حدود الله تعالى .

عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ{32}

تستمر الآية الكريمة ( عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً ) , رجاء ان يعطينا ربنا خيرا من بستاننا هذا بسبب توبتنا , مما يروى في ذلك انهم قد ابدلوا بستانا افضل , ( إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ ) , راغبون اليه جل وعلا , طالبين منه العفو , راجين الخير .

( عن الباقر عليه السلام قال إن الرجل ليذنب الذنب فيدرأ عنه عليه الرزق وتلا هذه الآية إذ اقسموا ليصرمنها إلى قوله وهم نائمون ) .”تفسير الصافي ج5 للفيض الكاشاني” .

( عن ابن عباس أنه قيل له إن قوما من هذه الامة يزعمون أن العبد قد يذنب الذنب فيحرم به الرزق فقال ابن عباس فو الذي لا إله غيره لهذا نور في كتاب الله من الشمس الضاحية ذكره الله في سورة ن والقلم إن شيخا كانت له جنة وكان لا يدخل بيته ثمرة منها ولا إلى منزله حتى يعطي كل ذي حق حقه فلما قبض الشيخ ورثه بنوه وكان له خمس من البنين فحملت جنته في تلك السنة التي هلك فيها أبوهم حملا لم يكن حملت قبل ذلك فراحوا الفتية إلى جنتهم بعد صلاة العصر فأشرفوا على ثمرة ورزق فاضل لم يعاينوا مثله في حياة أبيهم فلما نظروا إلى الفضل طغوا وبغوا وقال بعضهم لبعض إن أبانا كان شيخا كبيرا قد ذهب عقله وخرف فهلموا فلنتعاقد عهدا فيما بيننا أن لا نعطي أحدا من فقراء المسلمين في عامنا هذا شيئا حتى نستغني وتكثر أموالنا ثم نستأنف الصنعة فيما يستقبل من السنين المقبلة فرضي بذلك أربعة وسخط الخامس وهو الذي قال الله قال أوسطهم ألم أقل لكم لو لا تسبحون فقيل يابن عباس كان أوسطهم في السن فقال لا بل كان أصغر القوم سنا وكان أكبرهم عقلا وأوسط القوم خير القوم قال الله وكذلك جعلنكم امة وسطا فقال لهم أوسطهم اتقوا الله وكونوا على منهاج ابيكم تسلموا وتغنموا فبطشوا به فضربوه ضربا مبرما فلما أيقن الاخ أنهم يريدون قتله دخل معهم في مشورتهم كارها لامرهم غير طائع فراحوا إلى منازلهم ثم حلفوا بالله أن يصرموا إذا اصبحوا ولم يقولوا إن شاء الله فابتلاهم الله بذلك الذنب وحال بينهم وبين ذلك الرزق الذي كانوا أشرفوا عليه فأخبر عنهم في الكتاب وقال إنا بلونهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ اقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم قال كالمحترق فقيل لابن عباس ما الصريم قال الليل المظلم ثم قال لا ضوء به ولا نور فلما أصبح القوم تنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين قال فانطلقوا وهم يتخفتون قيل وما التخافت يا بن عباس قال يتسارون يسار بعضهم بعضا لكيلا يسمع أحد غيرهم فقالوا ألا يدخلنها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حرد قادرين وفي انفسهم أن يصرموها ولا يعلمون ما قد حل بهم من سطوات الله ونقمته فلما رأوها وعاينوا ما قد حل بهم قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون فحرمهم الله ذلك الرزق بذنب كان منهم ولم يظلمهم شيئا ) . “تفسير القمي” .

كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ{33}

تضيف الآية الكريمة ( كَذَلِكَ الْعَذَابُ ) , مثل هذا العذاب الذي عذبنا به اصحاب ذلك البستان في الدنيا , يكون عذابنا لكل من بخل وخالف امر الله تعالى , ولم يشكر و يؤدي حق النعمة عليه , ( وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ) , اما عذاب الاخرة اشد واعظم من عذاب الدنيا , ( لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) , لو كانوا يعلمون ذلك , لانزجروا وتجنبوا كل ما يوجب عذاب الاخرة .

حيدر الحدراوي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close