قراءة في كتاب “نحو نقد العقل الإسلامي”*

د. هاشم نعمة

من المعروف أن المشروع الفكري الكبير للمفكر الجزائري اللامع محمد أركون تمحور حول نقد العقل الإسلامي. وقد صدرت له العديد من الكتب المهمة في هذا المجال. واخترنا هذا الكتاب الذي يحتوي خمس دراسات من آخر وأحدث ما كتبه، بحسب الباحث هاشم صالح الذي ترجم وقدم لهذا الكتاب، إضافة إلى ترجمته كتب أخرى ضمن هذا المشروع. وتتأكد جدة موضوعات الكتاب من أن طبعته الأولى صدرت في تموز| يوليو 2009 عن “دار الطليعة” في بيروت، في حين توفي محمد أركون في أيلول| سبتمبر 2010. يقع الكتاب في 310 صفحة.

إضافة إلى المقدمة العامة المطولة والمهمة التي كتبها صالح بعنوان “محمد أركون ومشروعه الفلسفي الكبير: تفكيك الانغلاق التاريخي” يضم الكتاب خمسة فصول عالجت: التاريخ النقدي العميق للفكر بصفته أشكلة لمفهوم الحقيقة؛ مفهوم العقل الإسلامي؛ مسألة الحقوق الإنسانية في الفضاء التاريخي المتوسطي؛ بلورة لمفهوم ما معنى كلمة “إسلام” عبر التاريخ منذ لحظة القرآن وحتى اليوم؟ والأديان التوحيدية على أفق عام 2008.

ويرى المترجم أن مشروع المستقبل ليس نقد العقل العربي، كما يرى محمد عابد الجابري على الرغم من التقدير لجهد المحاولة ولبعض النقاط الإيجابية فيها. إنما هو مشروع نقد العقل الإسلامي التقليدي. لأنه لا يوجد شيء اسمه عقل عربي أو تركي أو إيراني وإنما يوجد عقل إسلامي أو ديني بالأحرى مثلما يوجد عقل علمي أو فلسفي أو وضعي، وبينهما قطيعة الحداثة. وبالتالي فالعقل البشري واحد عند جميع الشعوب. فقط هناك شعوب تحررت من العقل اللاهوتي الغيبي الطائفي القديم كشعوب أوروبا الغربية مثلا، وشعوب لم تتحرر منه بعد. وهذه هي حالتنا. وبالتالي فالشعوب تمر بعدة مراحل من التطور العقلي والفكري. آخرها المرحلة العلمية الفلسفية وهي أعلى درجات العقلانية. ويرى أن الجابري لم يتجرأ على مواجهة المشكلة اللاهوتية وجها لوجه فقرر خوض المعركة مع العقل العربي لا العقل الإسلامي. وهذا الموقف مفهوم لأن للسلفيين التقليديين سطوة على الشارع ويستطيعون تهديد أي مثقف وتخويفه. ويقول ثم إنه، مع احترامي له، لا يمتلك التكوين المنهجي الكافي ولا العدة المفهومية والمصطلحية للقيام بنقد العقل الديني في الإسلام. ويرى أن أركون وحده من بين كل المثقفين المسلمين أو العرب يمتلك ذلك.

في الواقع، إن هدف أركون الأخير هو التوفيق بين الإسلام والحداثة مثلما فعل أبن رشد في وقته عندما وفق بين الإسلام والفلسفة الارسطوطاليسية، ومثلما فعل فلاسفة التنوير في أوروبا عندما أجبروا المسيحية ورجال الدين على تقديم تنازلات كبيرة للعقل والحداثة العلمية الصاعدة. ولكنهم لم يستطيعوا التوصل إلى هذا المكسب الكبير إلا بعد أن فككوا اللاهوت المسيحي القديم وكشفوا عن تاريخيته وشروطه البشرية. ومعلوم أن هذا اللاهوت كان يقدم نفسه وكأنه إلهي معصوم تماما كالفقه القديم في الإسلام. ومعلوم أيضا أن اللاهوت القديم يزعم امتلاك الحقيقة المطلقة، المقدسة المتعالية، التي لا تُناقش ولا تُمس.

يشير أركون إلى أن موضوع الفصل الأول يستحق أن يعالج مجددا ليس فقط من قبل البحث العلمي الأساسي والمحترفين من حراس الحقيقة الدينية والحقيقية الميتافيزيقية الكلاسيكية (أي رجال الدين والفلاسفة التقليديين)، وإنما أيضا من قبل المواطنين. فالحقيقة تخص الجميع. ومعلوم أن هؤلاء المواطنين مدعون بانتظام للتصويت من أجل انتخاب ممثلي الشعب وخلع المشروعية على السلطة السياسية على كافة المستويات…الخ. وبالتالي فإن لهم الحق في معرفة الحقيقة أو المشاركة في

صياغتها وبلورتها. إن كلمة الحقيقة تدعى في اللغة اليونانية “أليتيا”، أي ما هو غير مخبوء، أو ما يحيلنا إلى الفكرة المتكررة للمكشوف المعرى. والحقيقة موجودة في كل فكر ديني، وقد استعيدت بواسطة أدوات أخرى للبحث والتفكير من قبل الفكر الحديث الذي يعتقد أن الله هو موضوع للمعرفة من جملة موضوعات أخرى. وبالتالي فهناك فرق بين الفكر الديني والفكر العلمي أو الفلسفي الحديث من مسألة الحقيقية.

يقول المؤلف بصفتي مؤرخا للفكر الإسلامي فإني أعترف بأني كنت قد واجهت مشكلة الحقيقة الدينية بالمعنى الكبير والمثالي المطلق للكلمة في مواجهة الحقيقة العلمية والفلسفية عندما تعمقت في دراسة المرحلة الكلاسيكية من تاريخ الفكر العربي الإسلامي (750-1300 ميلادية). والشيء الذي يدعو للعجب والمفارقة هو أن هذه المجابهة الخصبة بين كلتا الحقيقتين في تلك المرحلة البعيدة من التاريخ قد توقفت مع انتصار الفكر السكولائي التكراري وبخاصة اللامبالي بصعود الحداثة في أوروبا منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا. فقد تغلبت الحقيقة الدينية كليا على الحقيقة الفلسفية أو العلمية في العالم العربي والإسلامي منذ الدخول في عصر الاجترار والانحطاط. وهذه المفارقة تحولت إلى تراجيديا جماعية في النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين مع ظهور أشكال الأصولية “للحقيقة” الدينية. وهي أشكال ظلامية متعصبة أدت إلى كوارث في الداخل والخارج.

ينبغي العلم بأن تسميات سنّة، شيعة، معتزلة، أهل الحديث، أهل الرأي، جهمية… الخ، كانت تدل في البداية على مواقف فكرية متحركة لا جامدة ولا ثابتة. لقد كانت تدل على مواقف متغيرة طبقا لرهانات الصراعات الدائرة على مسألة “الحقيقية الدينية” أو “الدين الحق”. كما كانت هذه الفرق تتموضع داخل فضاءات سياسية في طور التشكل إبان القرون الأولى للإسلام. ولم تجمد ولم تثبت كليا إلا لاحقا.

الواقع أن العقل الإسلامي كان تعدديا في البداية وجدليا تفاعليا(1)، وكان مرتبطا بالواقع الاجتماعي والتاريخي بل وحتى الجغرافي. وذلك لأن العقول المتنافسة الأكثر نشاطا ظهرت بشكل خاص في منطقة إيران- العراق- سوريا بين القرنين الأول والخامس للهجرة. واللافت للانتباه هنا أن الغرب الإسلامي لم يُصب إلا بشكل مؤقت وعابر بالتوتر الإبداعي والثقافي الخلاق على عكس منطقة الشرق الأوسط التي عاشت هذا التوتر بشكل أكثر قوة وكثافة. والشيء اللافت جدا أيضا للانتباه هو أن انبعاث الهوية اللغوية والثقافية لإيران بدءا من القرن الحادي عشر الميلادي من جهة، ثم السياسة السنية للسلجوقيين من جهة أخرى، كانا قد حبذا حصول الانقسام الشيعي| السني وظهور الارثوذكسية السنية والشيعية المنفصلتين. وبالتالي فالانغلاق لم يأت من طرف واحد وإنما من طرفين. وعندئذ أصبح العقل الإسلامي أحادي المذهب، فقيرا مدقعا. وذلك على عكس الفترة الكلاسيكية حيث كان لا يزال تعدديا خصبا يسمح بحرية الاختلاف والتنوع والمعارضة.

قراءة الإسلام السياسي

إن الإسلام السياسي الحالي يدعي الانتماء إلى نظام عقلي يحيلنا إلى مدونات الاعتقاد الإسلامي القديمة الخاضعة هي أيضا إلى ضغوط وجودية بالأخص أيديولوجية من الحذف والانتخاب والاختيار داخل التراث الإسلامي. أنه، أي الإسلام السياسي والحركات السلفية المرتبطة به، يحيلنا إلى تراث مبتور ومبتسر وجزئي أكثر ما يحيلنا إلى العقل الكلاسيكي المبدع. أنه يحيلنا إلى العقل التكراري الاجتراري الذي ساد عصور الانحطاط والذي تلا المرحلة الكلاسيكية المبدعة.

هكذا نلاحظ أن الإسلام السياسي يعاني من قطيعتين كبيرتين: قطيعة مع عصر النزعة الإنسانية العقلانية التي تألقت آنذاك لفترة، وقطيعة مع أفضل ما أنتجته الحداثة الأوروبية منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم.

ويشدد أركون بالقول ينبغي العلم بأن الإسلام السياسي الراديكالي السائد حاليا جاهل تماما بالمكتسبات الفكرية الهائلة للعقل الحديث. إن هذا الإسلام السلفي الراديكالي المغرق في طقوسيته الشعائرية، إن هذا الإسلام التبسيطي، الدوغمائي، الذي فرض نفسه على المجتمعات العربية والإسلامية بعد السبعينات من القرن الماضي يريد أن يقنعنا بأنه سيعيد الإسلام “الحقيقي الصحيح” المتضمن في القرآن والسنة النبوية إلى سابق عهده ومجده. وهذا المزعم الأسطوري أو غير الواقعي الذي يستعصي على التحقيق التاريخي يرتكز على عدة مسلمات تخص بالدرجة الأولى المكانة التاريخية للمدونة الكبرى للاعتقاد الإسلامي أي: القرآن، والسنة النبوية، زائد الشريعة. وهكذا يعودون بنا إلى الوراء بعيدا: أي إلى عصر الفتنة الكبرى التي اندلعت بين المسلمين الأوائل. إن الماضي البعيد لا يزال حيا ومنتعشا في أذهان المسلمين حتى اليوم، أو قل في المخيال الديني الجماعي لهم. لا يزال الماضي هو الذي يتحكم بالحاضر وليس الحاضر بالماضي على عكس ما هو سائد في الأمم المتطورة.

لا بد من دراسة العلاقة التفاعلية الوثيقة بين تقهقر الحياة الفكرية والعلمية في العالمين العربي والإسلامي ككل من جهة، والصعود الهائل للحركات الأصولية الشعبوية الفاقدة لأي مشروع سياسي حديث من جهة أخرى. يذكر أركون لا نستطيع هنا أن نوفي هذا الموضوع الشاسع حقه من البحث والدراسة. سوف نكتفي فقط برسم الخطوط العريضة لكيفية اكتشافه: أي اكتشاف هذا المجال المجهول من تاريخ المجتمعات المجبولة حاليا بالظاهرة الإسلامية بكثافة هائلة وأكثر من أي وقت مضى. إنها مجبولة بالحدث الإسلامي أكثر مما هي مجبولة بالحدث القرآني بكثير، لأن ما يؤثر عليها هو التراث الإسلامي المتأخر بالدرجة الأولى وليس القرآن والتراث الكلاسيكي المبدع. فالحركات الأصولية تنسب نفسها إلى ابن تيمية عموما والتراث المتأخر لا إلى العقل الإسلامي الكلاسيكي التعددي الغني فكريا وثقافيا والذي ساد حتى موت ابن رشد.

يؤكد المؤلف ينبغي أن نفهم الوضع في شموليته، أن ندرس ونحلل آثار التناقضات الناتجة عن الحداثة وذلك عبر تجلياتها من خلال الثقافات المختلفة التي لا تستقبلها بشكل متساو أو بنفس الحماسة والتمثل والهضم كما يفعل الغرب. من خلال هذا التحليل المعمق نلاحظ أن الابستيمولوجيا التاريخية تأخذ كل أهميتها وصحتها ومتانتها. ينبغي العلم بأن التعصب السياسي الأعمى للأصولية المتسمة بالإرهاب في “الإسلام” ما هو إلا عبارة عن تجسيد تراجيدي لما يدعوه أركون بالتثليج الأيديولوجي. بمعنى أن الأصولية ناتجة عن جمود الفكر في الإسلام طيلة قرون عديدة. وهو تثليج أو جمود يحصل في البلدان التي تشكل اختلافها أو خصوصيتها بواسطة حكايات تأسيسية أسطورية قومية أو دينية هي أكثر استلابا للذاكرة الجمعية والفردية مما هي تحريرية.

جمود الفكر الإسلامي وتجلياته

يفترض عدم الخلط هنا بين العقل الإسلامي الكلاسيكي والعقل الكلاسيكي في السياقات الإسلامية. فالأول ديني محض، أما الثاني فيشمل الديني وغير الديني، ومجمل ما يدعى بالعلوم العقلية وبالتالي الفلسفة والعلوم الطبيعية والدنيوية غير الدينية. إن هذا العقل الكلاسيكي لا يقوم بمواجهة صدامية ضد العقل الديني ولكنه يتمايز عنه من حيث استقلاليته الذاتية النسبية بالقياس إلى الوحي. هذا الوحي ينحصر أساسا بالعلوم المدعوة دينية أو نقلية أي تقليدية. ويمكن للعقل الديني أن يذهب إلى حد الاشتباه بعلم الكلام لأنه في نظرة يعطي مكانة زائدة عن الحد للعقل الارسطوطاليسي المنطقي. يضاف إلى ذلك أن العقل الديني الإسلامي يدين الفلسفة بخصوص موضوعات معينة كقدم العالم والسببية ومكانة النفس بعد الموت والقوة المفكرة والعقل. أنظر كتاب أبو حامد الغزالي الشهير “تهافت الفلاسفة” الموجه ضد الفارابي وابن سينا أساسا.(2)

يقوم العقل اللاهوتي بتلاعب يتمثل في الافتراض بوجود استمرارية بنيوية وتماثلية معنوية بين الزمكان الأولي الأصلي الذي لُفظت فيه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لأول مرة، وبين الزمكانات المتغيرة أو الظروف الاجتماعية المتغيرة التي يتم فيها الاستشهاد بهذه الآيات والأحاديث على مر التاريخ بعد أن أصبحت نصوصا مكتوبة. هنا يقوم المسلم التقليدي بعملية الانتقال والمطابقة وكأن الأمر طبيعي لا غبار عليه. إنه يقوم به من دون طرح أي سؤال على شروط إمكانيته وصحته وبالأخص صلاحيته. يتساءل أركون، لماذا أقول ذلك؟ لأنهم عندما يستشهدون بآية قرآنية أو حديث نبوي فإنهم ينتقلون فجأة من حالة الكلام الحي المتفجر المرتبط بتجربة داخلية فريدة لا تُختزل ولا تُعاد ولا تُستعاد (هي هنا تجربة النبي الذاتية عندما كان يتلفظ بهذه الآيات والأحاديث لأول مرة ضمن ظروف مختلفة عن كل ما حصل لاحقا) إلى حالة مختلفة تماما. كما أنها تجربة فريدة من نوعها ولا تتكرر لأنها مرافقة لعمل جماعي محدد، هي هنا تجربة النبي التاريخية وأتباعه. يتم الانتقال من حالة هذا الكلام الحي المتفجر إلى حالة المضامين المحفوظة عن ظهر قلب أو المسجلة كتابيا والتي يستشهد بها المسلمون بعد موت النبي بألف وأربعمائة سنة! هنا يحصل إسقاط لهذا الكلام النبوي الحي على تجارب وحالات وأزمنة أخرى ذات حيثيات وأبعاد مختلفة بالضرورة.

كلما فقد العقل الإسلامي الكلاسيكي قواعده الاجتماعية الحضرية الموجودة في المدن والأطر السياسية لتحققه زاد انتشار الدين الشعبي. المقصود بالأطر السياسية لتحققه هنا المراكز السياسية الكبرى للإمبراطورية العربية الإسلامية كبغداد والري وسواهما. وكانت قوية نسبيا ومشعة ثقافيا إبان العصر الكلاسيكي قبل أن تفقد رونقها وتدخل في عصر الانحطاط لاحقا. بعد أن فقد العقل الإسلامي الكلاسيكي دعم الطبقات البرجوازية التجارية السائدة في منطقة إيران-العراق والأندلس في القرن التاسع والعاشر للميلاد ساد التدين الشعبي الفقير ثقافيا. وهكذا بدءا من القرن الثالث عشر راح المجال الفكري للعقل الإسلامي الكلاسيكي يضيق ويتقلص لكي يحل محله عقل مدرسي تكراري اجتراري. وهذا العقل الضيق المفتقر فكريا راح يدير شؤون الدين الشعبي المختزل أكثر فأكثر في تجلياته الطقسية الشعائرية العبادية الخاصة بكل فئة عرقية- ثقافية.

يذكر المؤلف ينبغي تسجيل ملاحظة مهمة : وهي أن السلالة الصفوية التي حكمت إيران بين 1501-1786 كانت معاصرة للسلالتين العثمانية والمغولية. وقد فعلت مثلهما عندما أممت الدين أو صادرت المذهب الشيعي. وعلى هذا النحو أصبح الدين الإسلامي بكلا مذهبيه تابعا للدولة. وأصبح رجال الدين الشيعة المسيطرون في خدمة السلطة والدولة الصفوية تماما كما حصل في الجبهة السنية. ولكن معارضة الفقهاء الشيعة للمتصوفة “والفلاسفة” السائرين في خط الحكمة الإشراقية لم تمنع هؤلاء الأخيرين من المحافظة على أماكن كلامهم وتعليمهم ومدارسهم. وهذا لم يحصل في الجبهة السنية، حيث في جهة الأندلس والمغرب الكبير منع الفقهاء المالكيون أي تدريس للفلسفة وأي ذكر لابن رشد. وعلى هذا النحو ترسخ في إيران أكثر من الأوساط السنية ذلك الانقسام الدائم بين المعرفة الظاهرية والمعرفة الباطنية، بين الكلام العقلاني والعرفان الروحاني. أما التمييز بين العقل والنقل والإشراق- العرفان- الباطن بصفته خطا ثالثا ومستوى معينا من مستويات المعرفة فقد تقلص وذبل وأصبح عبارة عن حد فاصل معرفي وأيديولوجي. وهذا يعني أن الفلسفة العقلانية على الطريقة الارسطوطاليسية والرشدية اختفت من إيران أيضا ولم تبق إلا الفلسفة الإشراقية التي تعتمد على الشطحات الخيالية أكثر مما تعتمد على العقل.

ينبغي الإشارة أيضا إلى المسؤولية الثقيلة التي تتحملها الدولة العثمانية. فقد اكتفت خلال حكمها بتعميم فقه المذهب الحنفي على شتى أرجاء الإمبراطورية الواسعة، متجاهلة بذلك أهمية الثورات السياسية والتشريعية والفكرية والعلمية التي حصلت في أوروبا إبان تلك الفترة والتي أعطتها الوسائل

الضرورية لتفوقها على العالم الإسلامي ولتوسعها في العالم. بمعنى آخر فإن الإمبراطورية العثمانية لم تفعل شيئا يذكر للسير على درب الحضارة والعلم والفلسفة والتقدم. وبالتالي فهي المسؤولة عن حالة التأخر المريعة لتركيا وغير تركيا بالقياس إلى أوروبا. لقد أكتفت طيلة أربعة قرون بالتكرار والاجترار في معظم الأحيان. لذلك فتركة السلطنة العثمانية ثقيلة جدا. ويرى أركون أن هذا ما صعب من عملية العلمنة التي تبناها أتاتورك.

بالنسبة إلى ألإسلام لم تستطع لا الكتابة الإيمانية ولا الكتابة العلمية النقدية حتى الآن أن تفرضا إشكاليات جديدة وموضوعات مبتكرة قادرة على تجاوز المواقع التراثية القديمة الراسخة، وذلك عكس ما حصل لليهودية والمسيحية بنسختيها الكاثوليكية والبروتستانتية في النطاق الحضاري المتقدم والمسارات التاريخية لأوروبا الغربية وأمريكا الشمالية. فهاتان الديانتان استفادتا كثيرا من هذه الإشكاليات والموضوعات التجديدية ومن تطبيق المناهج الحديثة عليهما إلى درجة أن القراءة التنويرية العقلانية تغلبت على القراءة التراثية القديمة لديهما. وهذا لم يحصل في الإسلام للأسف حتى الآن. لذلك اضطرت المسيحية أن تهضم عدة ثورات فكرية وعلمية وفلسفية في حين توقف الإسلام عن التطور منذ القرن الثالث عشر ولم يهضم أي شيء جديد تقريبا.

ينبغي العلم أن القرآن صامت(3) منذ عام 632 ميلادي، تاريخ وفاة النبي. ولكن الأجيال المتلاحقة من المسلمين أو الفاعلين الاجتماعيين هي التي تجبره على النطق ويتكلم. إنهم يجبرونه على التكلم لتلبية رغباتهم وآمالهم وهمومهم الملحة العاجلة المفروضة عليهم من قبل التاريخ. لذلك يُسقطون عليه رغباتهم وأمانيهم وتصوراتهم وهلوساتهم سواء كانت موجودة فيه أم لا. وهذه التفسيرات والتصورات الفردية أو الجماعية تأتي لكي تضخم إلى ما لا نهاية تلك المدونة النصية الكبرى للحدث الإسلامي.

نحن نشهد عودة الشعبوية الدينية أكثر مما نشهد انبثاق ثقافة جديدة عن الأديان أو معارف جديدة مضيئة محصلة عن طريق العلوم الاجتماعية والإنسانية في مجال الأديان خصوصا. نحن نشهد عملية تفكيك وإعادة تركيب للعقائد الدينية حيث إن الوظائف الأيديولوجية أو الديماغوجية الارتكاسية للتدين تتغلب أكثر فأكثر على تعميق القيم الروحية والأخلاقية.

فيما يخص علم التاريخ النقدي الاسترجاعي، فقد حصلت محاولات جادة وواعدة في الساحة العربية الإسلامية مع مسكويه ثم بالأخص مع ابن خلدون ولكنها أُجهضت للأسف في نهاية المطاف مثلما حصل للفلسفة. وعندما اكتشف المستشرقون ابن خلدون في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، صُدموا وذُهلوا ولم يكادوا يصدقون ما يقرأون من كنوز معرفية. وراحوا يحتفلون به بصفته المفكر العبقري الذي مهد الطريق لعلم الاجتماع والانثربولوجيا.

أخيرا، هؤلاء الذين يحنون إلى الوراء، إلى ذلك العصر الذهبي للعلوم الدينية، يجهلون هنا أيضا معنى المشروع الكبير لنقد العقل الإسلامي وضرورة المرور به بأي شكل من الأشكال. فالاجتهاد القديم لم يعد نافعا ولا كافيا على الإطلاق. وحده نقد العقل الإسلامي بالمعنى التفكيكي والأركيولوجي العميق قادر على مواجهة المشاكل المطروحة الآن على المجتمعات العربية والإسلامية.

الهوامش

(1) للمزيد راجع: حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية-الإسلامية: المعتزلة، الأشعرية، المنطق، المجلد الثاني، وتبلور الفلسفة، التصوف، إخوان الصفا، المجلد الثالث، ط 2 (الجزائر| بيروت: المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار| دار الفارابي، 2002).

(2) للمزيد راجع: حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية-الإسلامية: الكندي- الفارابي- ابن سينا، المجلد الرابع، ط 2 (الجزائر| بيروت: المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار| دار الفارابي، 2002).

(3) كان علي بن أبي طالب هو من أعلن مفهوم “المصحف الصامت”، أي المنطوق بتأويل الرجال، في رده على مبدأ “لا حكم إلا لله” الذي رفعه من رفضوا قبول التحكيم في معركة صفين.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close