غريزة الحياة الأقوى : قصة قصيرة

بقلم مهدي قاسم

ـــ بدءا … لم يكن بالأمر الهين أن يولد المرء عراقيا
ـــ فكر مع نفسه كأنما نوعا من تبرير أو عزاء نفسي و أضاف ــ فهذا الأمر بحد ذاته يعد لعنة ملازمة ، مصحوبة بأصناف شتى من خذلانات و معاناة و عذابات نفسية لا نهاية لها ، يوّلد شعورا عميقا بكونك غريبا عند أقصى أطراف الاغتراب الروحي و التيه و غير منتم لأحد ، حتى
و أنت في وسط من هم أقرب الناس إليك فعلا أو افتراضا ..)

و قد قوي عنده هذا الشعور يوما بعد يوم مصحوبا بتلك الخيبة
التي ترسخت مع الانحدار العام في نسق الأشياء و الأمور و القيم و الأخلاق و المبادئ و سقوطها المريع ، سيما ذلك اللهاث الجنوني للبعض الكثير خلف المال للحصول عليه بأي شكل من الأشكال ، بالرغم من أنه قاوم طويلا ضد هذا السقوط و الانحدار، ولكنه اكتشف أنه لا جدوى
من النفخ في قربة مشروخة ، ليس إقرارا بالهزيمة ، فهو رجل لا يمكن أن يُهزم ! ، إنما مدفوعا بإحساس عميق بعبثية كل ذلك ، فعلا ليس من ثمة جدوى بتاتا ، إذ سيان عنده الآن لو انتصر الخير أم الشر في هذه البقعة المتوحشة و الملعونة من العالم ، لكون النتيجة نفس الشيء
بالنسبة لهذا النمط من البشر الذين يخدعون حتى أنفسهم من خلال تظاهرهم و كأنهم من عاملي الخير و الأعمال السامية ، و قد أذهله ما يقرأه في الفيس من دعوات إلى أعمال الخير !!، فضحك قائلا : لو كانوا كلهم بهذه الطيبة والنبل والرقي مثلما يدعون ويتظاهرون وكأنهم من فاعلي
الخير و الأعمال الحسنة حقا لأصبحنا الآن مجتمعا من ملائكة الرحمة ! ، و ليس مجموعات من قتلة ولصوص ومحتالين و ناصبين و أبطال كلمات فارغة ، ولكن لا ، فما من جدوى ، أنهم و كالعادة و دائما يقولون ما لا يفعلون ” ، غير أن الذي يؤسف له حقا هو عدم بذل كل هذه الجهود
المضنية و سنوات العمر على الرعاية والعناية بالحيوانات فقط ولا سيما بالكلاب ، فكان ذلك أجدى و أنفع ، أجل من أجلِ تلك المخلوقات المخلصة والوفية دائما و أبدا !..

و الذي راعه أكثر الآن هو شعوره بانطفاء تلك الجذوة من
لهيب الحياة في داخله ، فلم يعد أي شيء يثير اهتمامه أو رغبته ، كأنه مجرد ظل جثة متحركة بلا جذل الحياة ، دون غبطة روحية ، يروح و يجيء كمن يقوم بواجبه الإلزامي ليس إلا، العيش من أجل العيش ؟ فيا له من عبثية شبيهة بعقوبة سيزيف ، ولكن لا ، لابد من اغتسال روحي لحد
نقاوة الرضيع ! ، وأن أجعل جياد روحي تصهل من جديد في سهوب الجمال و الفن و تفاصيل الحياة اليومية أو…أو أن ترحل إلى ضفة أخرى أكثر نورا أو عتمة .

نزع ملابسه ونزل إلى النهر العميق و القوي التيار و أخذ
يغوص عميقا عميقا ، شاعرا في أثناء ذلك بنفاذ أخر ما تبقى أنفاسه المتقطعة ، ولكن ثمة إغراء شديدا كان يشده نحو الأعماق بفتنة ساحرة وآسرة لا تقومان ، ولكن سرعان ما تناهى إلى أذنه صهيل جياد روحه كأنها تنديه عودة إلى البرية ، فبنطة قوية إلى الفوق وجد نفسه لاهثا
و شبه مختنق يعوم فوق موجة سريعة تدفعها ريح قوية نحو الضفة ، مع أسراب نوارس تحوم فوق رأسه برشاقة واحترافية بحثا عن القوت .

تمتم مع نفسه مشدوها و بابتسامة ساخرة:

ــ أجل .. أنها غريزة الحياة تبقى دوما أقوى من لحظات
اليأس العابرة .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close