زوايا غير تقليدية للنظر .. ومتاهات المصير !

خضير طاهر
وصل صديقي خالد مروان الى لندن لاجئا بطريقة عجيبة ، وبدأت الإتصالات بواسطة المسنجر بيننا ، كانت الحوارات متنوعة تشمل : تعليقات على الأحداث والأشخاص ، مناقشة المفاهيم ، إستعراض الكتب والمؤلفين ، وإستحضار الذكريات .
كان يضع امامه على الطاولة قنينة مشروب وعلبة سجائر ، وكنت منتشيا بشرب الشاي وأستمع الى المطرب عبد الزهرة مناتي وهو ينوح (( ياوسفة ظني)) ، وحده غناء مدن الوسط والجنوب يلامس الروح .
مازحني خالد قائلا (( تسمع عبد الزهرة مناتي ، وليس السيمفونيات )) سبق ان نتكلمنا أنا وخالد حول إفتعال المثقف العربي وتصنعه في كلامك وسلوكه وإدعاء حب سماع السيمفونيات ، والفن التشكيلي ، والتنظير الجمالي لهما ، وهو مرض شائع لدى الأشخاص الذين يتصفون بعدم الصدق مع أنفسهم ، وليس لديهم وضوح الرؤية ، وتفهم الحاجات الحقيقية للروح ، ولدى البشرية عموما الكثير من الأوهام التي تواطأت على التشدق بأهميتها ورعايتها مثل : الأوبرا ، والسيمفونيات ، والفن التشكيلي ، لاأحد يجرؤ على القول ان هذا النوع من الفن لاقيمة له خوفا من إتهامه بعدم التحضر وغياب الذوق الجمالي ، ماهي القيمة والفائدة للوحة رسمها بيكاسو أو دافنشي كي يتم هدر ملايين الدولارات عليها وعلى الجانب الآخر من العالم يوجد ملايين الفقراء والجياع والمرضى ، ولعل أحد أهم منجزات فلسفة (( مابعد الحداثة )) إحتفائها بالهامشي والمسكوت عنه واللامفكر فيه ، وإنهيار قيمة الأشياء ، والثورة على أورستقراطية (( الحداثة ))ويمكن إدراج الأغنية الشعبية للمطرب عبد الزهرة مناتي على سبيل المثال ضمن إهتمامات فلسفة مابعد الحداثة في الهامشي ، على أية حال ، لاداعي للبحث عن شرعية تبرر سماعي مثل هذه الأغاني وإلا سأكون ممن يخشون أحكام المجتمع ، وبهذه المناسبة أنا شخصيا أصبحت في هذا الوقت أنظر الى الفلسفة بمختلف توجهاتها على انها مجرد ثرثرة منمقة !
– (( خالد بمناسبة أغنية ياوسفة ظني ، ماهي أبرز محطات حياتك التي تستحق وصف ياوسفة ؟))
– (( في إحدى المرات تورطت بعلاقة مع إمرأة ، كنت أبحث عن الجنس والفرفشة وخلق لحظات جميلة … لم أكن مهيئا عاطفيا كي أصل الى مستوى خوض علاقة حب ، كنت قد فقدت الدهشة العاطفية ، ولاأعرف السبب بالضبط هل هو إعتلال نفسي .. أم ان الإنغماس في التجارب العابرة مع النساء قد قتل الدهشة بالحب في داخلي )).
– (( هل كان لديك مرض دونجوان الذي همه الأكبر التأكيد لنفسه قدرته على إغواء النساء وان يكون محبوبا ؟))
-(( لا .. كنت قليل الملاحقة للنساء ، وإنشغلت بالقراءة ، والتأمل والتفكير بالقضايا العامة الكبرى إضافة الى السفر والعمل ، لكن هذه المرأة بسبب أحد أطفالها تورطت بها حينما كنت في المستشفى لمراجعة الطبيب ، فقز طفلها على الكرسي المجاور لي وأخذ يداعب وجهي بيده وكأنه يعرفني ، إحتضنته وتبادلنا اللعب والمزاح ، وتطور الحديث مع أمه بعد ان لمست تفاعلها وجرأتها طلبت موعدا منها ، وإشتبكنا معا ))
(( خدعتني ، لم أكن أعرف ان لديها كل هذا الكم من المشاكل والعذاب والمأساة ، إنغمرنا في مرح اللحظات ، كنت أتلوى محترقا فوق إشتعالات حرارة جسدها الضاج بالشهوة ، وكانت عندما تشرب الخمر وتسكر تتكور جالسة على الأرض وتأخذ بالبكاء كالطفلة ، وفسرت الأمر على انه من أثر الخمر، لكن مع تكرار الحدث صممت على معرفة السبب ، وظهر ان السبب كارثي وجرح عميق نازف ، وحسب ما عرفت منها انها كانت متزوجة من شخص بسيط تم سوقه الى الجيش في زمن الحرب مع إيران ، ودفعها الفقر الى إفتتاح صالون للحلاقة ، وكانت هذه بداية المأساة ، فقد كان لابد ان تستحصل موافقة دائرة الأمن لفتح الصالون ، ثم بواسطة الضغط والتخويف أجبروها ان تعمل وكيلة لدى الأمن ، وتدهورت الأمور وأصبحت عاهرة لدى العديد من أفراد الأمن ، وحينما علم زوجها بالأمر هددته بأنها بعد تدميرها من قبل الأمن لن تسمح له بتطليقها وتعذيب أطفالها وانها مستعدة ان تدمره معها ، رضخ زوجها خوفا من علاقاتها بالأمن ، وأنهى الموت عذابه حيث قتل في جبهات القتال ، وبعد أخذها لتعويضات مقتله وراتبه التقاعدي أغلقت الصالون ، وإنتقلت الى مكان آخر ، عندما عرفت بقصتها شعرت اني شريك بهذه الجريمة الحقيرة ، لقد قتلتني وعلى أثرها أصبت بقرحة المعدة ، وصرت أتقيأ الدم ، ورغم تعاطفي مع فجيعتها لكني لم أستطع مواصلة علاقتي بها !))
توقف خالد عن الكلام ، خنقته الدموع والعبرة ، من الجاني ومن الضحية ؟ .. من منظور تأصيل الشر والخير ، هل عمل الذنب يعد مجرما لو إفترس أحد الاطفال .. أم المسؤول عن ذلك خالق الذئب الذي أودع فيه غريزة الإعتداء والإفتراس ، هل الشرير مذنب .. أم ان المسؤول الرب الذي لم يخلق البشر على حب العدالة والخير ويسود الحياة السلام .. لماذا لاننظر الى ان أصل تكوين الحياة قائم على الفوضى وفعالية الغرائز الحيوانية في البشر ، وان الإنسان ليس له حماية سماوية ربانية ، وقد حاولت البشرية من خلال إبتكار مفاهيم القيم الأخلاقية مثل : الخير والعدالة حماية نفسها وتقليل الأضرار ، لكنها فشلت في إقامة نظام عادل للجميع .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close