فاصل قضائي

القاضي عامر حسن شنته

حركة لا تنتهي، وسيل جارف ليس له انقطاع. حقوق تغتصب، وحريات تهدر، وضمانات تنتهك، وأعداد هائلة من المتقاضين. دراما يومية يشهدها القضاء في (دور عرضه) المنتشرة في مختلف أرجاء العراق. كل تلك المشكلات والمعضلات، يتوجب على القضاة أن يجدوا لها الحلول، فيتناولوا الأدلة بالتدقيق والتمحيص في عمل ذهني مضن محفوف بالمتاعب. يرزحون معه تحت وطأة ضغط نفسي كبير. قد يضيع معه صفاء الذهن وسكون النفس. وهما حجر الزاوية في كل عمل قضائي. الأمر الذي حرصت معه غالبية الدول، على النص في قوانينها المنظمة لعمل القضاء، على مبدأ (العطلة القضائية) أو ما يسمى بالفاصل القضائي. بأن يتم تعطيل العمل في المحاكم خلال فترة الصيف، لإتاحة الفرصة للمحاكم بإعداد مراجعة شاملة لعملها، ولينعم القضاة فيها بقدر من الراحة بعيداً عن صخب المحاكم ومشاكل المتقاضين. وبعد انتهاء تلك العطلة تبدأ (السنة القضائية الجديدة) في أجواء احتفالية رسمية في تلك الدول. ففي مصر نظم قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 تلك العطلة من حيث مددها، وكيفية منحها. كما أخذت بها كل من الأردن وسوريا ولبنان، وتونس والمغرب والجزائر، والكويت والإمارات، وغيرها من الدول. وتتراوح مدة تلك الإجازة مابين خمسة عشر يوماً في بعض الدول، إلى شهرين وثلاثة أشهر في البعض الأخر منها.

وتستمر المحاكم خلال العطلة القضائية بنظر الدعاوى المستعجلة والتي تحدد على نحو الحصر في بيان يصدره وزير العدل أو رئيس مجلس القضاء الأعلى فيها،وينظرها قضاة مناوبون. وبعيدا عن الدخول في تفاصيل وآليات منح العطلة القضائية، تبقى هذه المسألة من المسائل التي أثارت جدلاً كبيراً في المجتمعات التي طبقت فيها، على الرغم من رسوخها كنظام قانوني معتمد.

ولعل أهم الانتقادات التي قيلت فيها، أنها تتعارض مع فكرة العدالة الناجزة (فالعدالة فكرة تأبى التعطيل). ولا يجوز تحت أي مسمىً كان، ومهما كانت الأسباب وجيهة أن تتعطل مصالح الناس، أو أن تختل فكرة انتظام وسير مرفق القضاء. ولا يخفف من حدة هذا الانتقاد،قول المناصرين بأن العطلة القضائية ليست عطلة بالمعنى المتعارف عليه، بل هي بمثابة (مناوبة قضائية). بعد أن وضُعت آليات محددة وصارمة، تضمن استمرار القضاة المناوبون في نظر الدعاوى. إذ غالباً ما يعمد القضاة المناوبون إلى تأجيل حسم تلك الدعاوى، بسبب عدم تمكنهم من فهمها في هذا الوقت القصير، وبسبب تزامن نهاية العطلة القضائية في تلك الدول مع الحركة القضائية فيها، وإعادة توزيع الدعاوى والقضاة. الأمر الذي يدعوهم لتأجيل حسمها لحين إعادة توزيعها.

وفي العراق لم تعتمد هذه الفكرة في قانون التنظيم القضائي النافذ رقم 160 لسنة 1979، على الرغم من الأخذ بها سابقاً في قانون السلطة القضائية المُلغى رقم 26 لسنة 1963.إذ نصت المادة (7)منه على ذلك. وحصرتها بالمحاكم المختصة في (القضايا المدنية والتجارية والشرعية)، من اليوم الأول من شهر تموز، إلى الخامس عشر من شهر أيلول من كل سنة، عدا القضايا المستعجلة التي تعين ببيان يصدره وزير العدل آنذاك وهو ذات ما أخذ به قانون السلطة القضائية لإقليم كردستان العراق رقم 23 لسنة 2007.مع جعل المدة من الأول من شهر تموز،إلى الأول من شهر أيلول.وتظل فكرة منح القضاة عطلة قضائية، من الأفكار الجديرة بالبحث. كونها تسهم وإلى حد بعيد، في إعادة التوازن النفسي للقاضي، ومنحه فرصة لتطوير قابلياته بعيداً عن روتينه اليومي شريطة أن لا تتم المبالغة في مدة تلك الإجازة، وأن توضع آليات وضوابط صارمة، تمنع أي تسويف في حسم الدعاوى خلال العطلة القضائية. لأن ذلك قد يطيح في نهاية الأمر بمبدأ صيانة وكفالة حق التقاضي للجميع.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close