الدين والتأريخ براء مما تدّعون!!

القول بأن تأخر المجتمعات العربية سببه الدين والتأريخ فيه إجحاف وتضليل وخداع وتمرير لأجندات خفية وكبيرة.

فالواقع العربي ومنذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم يدور في دائرة مفرغة عنوانها الدين والتأريخ , وقد كتب المفكرون العرب مئات الكتب وآلاف المقالات حول هذا الموضوع ولم يقدموا شيئا ولم يساهموا في حل المشكلة , وذلك لعدم وجود مشكلة!!

مشكلة الدين والتأريخ متصورة ومن بنات أضغاث الأحلام والأوهام والهذيانات والإنحرافات الفكرية , فالدين والتأريخ موجودان في كافة المجتمعات , ولهما ما لهما وما عليهما من تفاعلات وتداعيات , والعرب ليسوا الأمة الوحيدة التي لديها دين وتأريخ , ومشاكل هذين الموضوعين معروفة منذ الأزل , ولا تختلف المجتمعات بسلوكها تجاههما , فهما متواصلان مع المجتمعات البشرية إلى الأبد.

ويبدو أن خدعة الدين والتأريخ قد تم تمريرها على الأجيال , وتحقق إنشغال العقل العربي بهما , وأمعنت العقول بالبحث والتحليل والتفسير والتقييم , وما إنتهت إلى حل ومخرج , لأن ذلك غير ممكن وغير واقعي وإنما تصوري.

وهذا النهج المنحرف والإقتراب التخيّلي وفر للمتطلعين لأخذ الثروات منافذ مطلقة , وآليات متعددة يتحقق بها الإستحواذ على الثروة والمال العربي وإنهاك المواطن بلعبة الدين والتأريخ , التي تطور الإستثمار فيهما إلى الحالة التي تعيشها الأمة اليوم.

فالدين براء مما تفترون عليه , ولا يحتاج إلى إصلاح لأنه صالح وتام , والتأريخ هو التأريخ , وما حصل فيه حصل في أوانه ومكانه , ولا يمكن إعادة الزمن إلى الوراء , والعرب كباقي الأمم الأخرى ويشبهونهم في كل شيئ , فلا داعي ولا مبرر معقول للتركيز على الدين والتأريخ.

أما لماذا هذا الإمعان بتسليط الأضوء عليهما فالسبب واضح وأكيد , والواقع المعاش يدلل عليه ويقدم البراهين , وهو أخذ الثروات العربية والتحكم بالطاقة التي جوهرها النفط.

أما مشكلة العرب الأساسية والرئيسية هي إقتصادية وإجتماعية بحتة , لكن الأنظار تُبعَد عنها لكي يتمكن الجالسون على كراسي السلطة من النهب المريح , وتحقيق رغباتهم المفلوتة , وتأمين مصالح الذين أوجدوهم وساندوهم إلى حين ينتهي دورهم.

المشكلة تتلخص في سوء توزيع الثروات العربية , وإستحواذ فئات من المجتمع عليها وإفقار النسبة العظمى منه , وترويعه وقهره بالحرمان من أبسط الحاجات.

فلا توجد دولة في الأرض لديها ثروات وتحرم مواطنيها منها إلا الدول العربية , التي فيها دول فاحشة الثراء ودول مدقعة الفقر , ومجتمعات متخمة وأخرى تتضور جوعا , وفئات تسكن القصور الفارهة وعامة تعيش في الصرائف والعشوائيات.

وفي داخل الدول الثرية هناك فقر وبؤس وحرمان وإمتهان وإستعباد , والمتحكمون بالدولة يضعون أيديهم على ثروات المواطنين , ويتمتعون بها بإسراف وتبذير ويتبجحون بأنهم الحكام والمسؤولون الذين على المواطنين البائسين تقبيل أقدامهم والركوع أمامهم.

خذ على سبيل المثال ولاية آلاسكا الأمريكية وفيها نفط لا تقارن كمياته بما هو موجود في أي دولة نفطية عربية , لكن عائداته توزع بعدالة على المواطنين وبما يخدم مصالح الجميع , ويؤمن رعايتهم وحمايتهم وتوفير الخدمات الأساسية لهم.

لو تحقق هذا السلوك في الدول العربية , لأدركنا تماما أن المشكلة ليست في الدين والتأريخ , إنها في القهر الإقتصادي وبمصادرة الكرامة وقيمة الإنسان الذي نجعله يكفر بالحياة والدين والتأريخ , فهو إين بلدٍ ثري ويعيش في متاهات البؤس والقهر , والحرمان من المدارس المعاصرة والمستشفيات التي تليق بعلاج إنسان.

تخيلوا لو أن الدول العربية تكالفت وتآلفت وتشاركت بالثروات المتدفقة من بطن التراب , فهل سيبقى مَن يتحدث عن أن المشكلة في الدين والتأريخ؟!!

ولو أن الدول الثرية وزعت الثروات بالعدل على مواطنيها , فماذا ستكون الحالة والنتيجة؟!

إن العرب بحاجة إلى الشفاء من هذا الغي والضلال الذي أوهموا به الأجيال , وقتلوهم بإدعاءاتهم الباطلة المصنعة في مختبرات إمتلاكهم ومصادرة وجودهم.

فالدين يؤكد أن توزيع الثروة بالعدل يعزز السلوك القويم , والتأريخ يثبت ذلك , فلماذا لا نستقي منهما ما ينفع الناس ونمعن فيما يضر العالمين؟

تلك حقيقة المشكلة ولبها , فلا تقل أن الدين والتأريخ هما المشكلة , وأنت تجرد الإنسان من قيمته وحقوقه وعزته وكرامته , وتحسبه ملكا لمن أثرى بغير حدود وبلا سبب مقبول , فلماذا تكون عائدات النفط لهذه العائلة دون غيرها , ولماذا لا يكون العائد النفطي ملكا للشعب , ومن حق جميع المواطنين؟!!

وعليه فأن المفكرين العرب يجب أن يتوقفوا عن الهذيان والبهتان , ويفكروا بمنطق سليم , ويبحثوا في آليات إسترداد المواطن العربي لحقوقه المسلوبة من قبل الحكومات والعوائل المستحوذة على حقه الطبيعي , فهل سسيتدبرون ويتفكرون ويخرجون من نفق الدين والتأريخ؟!!

وإنّ الدين قويم والتأريخ كأي تأريخٍ قديم!!

د-صادق السامرائي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close