الموقف الإنساني الثابت هو مرآة ضمير الإنسان النقية

بقلم مهدي قاسم

كأنما بعض العراقيين باتوا مفطومين على التطرف ، بل أنهم
مستعدون للذهاب إلى أقصى تطرف في اتخاذ موقف ضد أو مع و بقفزة 180 درجة !! ، ربما نكاية بالوضع الذي لم يعجبهم أو تسبب في معاناتهم ، فنجدهم يهرولون نحو الخندق الذي كانوا فيما مضى يعدونه خندقا معاديا ، أو يتراجعون ليشيدوا بنفس الوضع الذي سبق أن شكوا منه و اعتبروه
جحيما لا يُطاق ، بل قاموا بإدانته مرارا و تكرارا ، مبررين ذلك كون الوضع الذي تلاه قد أصبح أسوأ من ذلك ، و على ضوء ذلك يمكن القول أن هؤلاء يعانون من أزمة عدم ثبوتية مبادئهم واختلالها الدائم ، فيغيرون مبادئهم ومواقفهم حسب أمزجتهم النزقة ، و ربما وفق مقتضيات
مصالحهم الفردية ، و في كلا الحالتين يجب عدم التعويل عليهم ولا اتخاذ مواقفهم المتذبذبة بجدية أو باهتمام ، بل النظر إليهم كمجموعة من صبيان مغرورين و مشاغبين ليس إلا ، لأن هذه المواقف المتذبذبة مثل رمال متحركة دوما ، و حسب رياح عاصفة ، و من أية جهة مرت أو أتت
، بينما ما يميز الإنسان عن غيره هو ثبات الموقف الصحيح و الصلب ، طبعا نعني بالموقف الصحيح و السليم هو الوقوف إلى جانب الإنسان المظلوم أو المضطهد أو المشرد أو ذي حق مغبون و كذلك إلى جانب قضية عادلة في العالم ، وليس إلى جانب الظالم أو المغتصب أو القاتل السفاح
، سواء فردا أو دولة ..

و إذا وجد أحدهم غموضا أو ضبابية أو إبهاما فيما قلناه
أعلاه فأنا مستعد لأوضحه أكثر فأكثر من قبيل :

أن النظام السياسي الهجين الحالي في العراق نظام سيء للغاية
ــ هذا إذا صّح أن نسميه نظاما سياسيا ــ سواء من ناحية الفساد أو الفشل في إدارة أمور البلاد أو تقديم الخدمات ، غير أن كل هذا لا يعني أن أذرف دموع الحنين الساخنة على النظام العراقي الديكتاتوري السابق ناسيا طبق بيضه بثلاثة الأف دينار ، متمنيا أو مروّجا لعودته
، إنما يجب أن أطالب أو أختار نظاما سياسيا أفضل بكثير من هذا النظام السياسي القائم أو هكذا يجب أن يكون طموحي الآن و في المستقبل أيضا ..

فالإنسان الواعي و العاقل عن جدارة لا يختار بين السيء
و الأسوأ إنما ما هو أفضل بكثير من كليهما ، و يكافح من أجل ذلك .

و في نفس السياق : إذا جاء عشرات من فلسطينيين و فجروا
أنفسهم في العراق ، فهذا لا يعني أنه يجب عليّ أن اتخلى عن مواقفي الداعمة للقضايا العادلة في العالم ومن ضمنها القضية الفلسطينية ، مثلا ، وثم أقوم لأطبل لإسرائيل ، وذلك نكاية بفلسطينيين أو بعرب أخرين أو بأي متسلط آخر في العالم ..

فحسب ما أعتقد ، أن المواقف الإنسانية لإنسان ما ــ إذا
وجدت أصلا ــ ينبغي أن لا ترتبط بمواقف أو تطورات سياسية أو اجتماعية آنية أو مزاجية طارئة ومتقلبة ، أو نكاية بزيد أو عمر أو دفاعا عن إيران أو سعودية أو بأمريكا أم روسيا ..

فالموقف الإنساني للفرد من قضية ما ــ على شرط أن تكون
عادلة حقا ــ سواء تخص فردا أو مجموعة ، هو مرآة ضمير الإنسان ذاته ، فيجب أن تبقى صافية ، نقية ، حتى النهاية ، مهما حدثت أو مرت عواصف رملية أو سحابات غبار أو سخام في قلب هذا العالم المضطرب دوما !..

على الأقل هذا ما أعتقده أنا ، بغض النظر عن أي مدى أنا
محق أم مخطئ في رأيي هذا .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close