في ادب الحياة، العراقي وثقافة احترام القانون – 4 مذكرات

د. رضا العطار

مرت الأيام في المنتجع السياحي بعيدة عن صخب المدينة وجو العمل المضني، انها كانت ايام حلوة، عشتها وانا ناعم البال متنعما برغد الحياة ومفاجآته السارة.
كان من عادتي ان اجلس وقت العصر في ركن هادئ من الفندق اشاغل نفسي في قراءة كتاب، او التصفح في احدى المجلات او مشاهدة التلفزيون ومعرفة ما يدور في العالم من الاخبار. وفي احد الايام وبينما انا كذلك واذا بفتاة حسناء تأخذ مجلسها بجانبي بكل خفة ورفاهة، كدت لا اشعر بورودها، واذا بها تدير وجهها الجميل نحو جلد الكتاب، في محاولة خجلة لمعرفة عنوانه، كانت هذه الأيماءة التي اعتبرتها (حرشة)، مدعاة لفتح باب التعارف بيننا، وعندما التقى بصرينا، تذكرت قول الشاعر:
( هذه فاتنة الدنيا وحسناء الزمان ) انها كانت حقا وضاءة المحيا، رشيقة القد، حلو البسمات، تسطع عيناها الزرقاوين صفاء، طالبة جامعية من مقاطعة بافاريا في الجنوب، جائت هي الأخرى بهدف الاستجمام والراحة. ومر الوقت، خلته ثوان، حتى اصبح احدنا للاخر كالظل، لا نفترق.

وعندما حل المساء، تناولنا طعام العشاء في مطعم الفندق سوية، وبقينا فيه نتسلى بسرد الاحداث اليومية الى ان حان موعد السهرة في التاسعة ليلا، فتحولنا الى قاعة الرقص، التي سرعان ما امتلأت، انها كانت سويعات العمر، تجلت بالمتع الحسية وسعادة الروح، وعندما اشار الوقت الى الحادية عشرة، اعلنت ادارة الفندق انتهاء البرنامج.

في صباح اليوم التالي واثناء تناول طعام الفطور، اخبرتني الفتاة بوجود بحيرة طبيعية تبعد مسافة كيلو مترات قليلة من مدينتنا السياحية، يمكن الذهاب اليها مشيا، حيث ان الطريق اليها يزخر بمرافق سياحية تستحق المشاهدة. فقلت لها: اذن هيا بنا !
وصلنا البحيرة على مهل دون عناء حيث كنا خلال الطريق نتجاذب اطراف الاحاديث الممتعة، التي تنسي الانسان مضي الوقت.
كانت البحيرة سحيقة في القدم، واسعة الأرجاء، يصعب تقدير مداها، كان منظرها اشبه بالأكواريوم، حيث كانت الاعشاب المائية في جوفها جلية ظاهرة للعيان بسبب صفاء مائها الزلال، ومما زادها بهجة وجاذبية وجود اسراب طيور البط ذات الالوان الزاهية. لكن شاطئها كان محاطا بصخور مبعثرة.

ومما جلب انتباهي ان المنطقة رغم كونها منتجع سياحي الا انها كانت شبه قاحلة، في منأى من يد العمران، تتناثر فيها الزهيرات البرية هنا وهناك، وليس فيها بناء او شجر، ولا حتى طريق للعبور، واقصى ما يمكن للزائر عمله هو الوقوف عند حافتها والتمتع بجمال منظرها، لكنني اصبحت بعد مضي الوقت، راغبا في ان اجلس و استريح، هكذا أنحنيت على صخرة وعرة، رفعتها من مكانها و ثبتها بشكل يسمح لي بالجلوس عليها. وقبل ان اعتدل، قلت للفتاة تفضلي واقعدي !

لكني تفاجئت مندهشا، عندما وجدت الفتاة وقد غدت فزعة، ذهب عنها حب الاستطلاع وحل محله القلق والأضطراب، تنظر اليّ بعين وترقب بالاخرى بعيدا، تتلفت يمينا وشمالا، وكأنها تنتظر شؤما، مرددة عبارة: انت محظوظ، حقا.
فاصبحت هلعا وتسائلت : وما علاقة الحظ بالبحيرة ياآنسة ؟ قالت : لا بل بالصخور. فقلت لها كيف ؟، وقد زاد تلهفي لمعرفة ما جرى ؟ لانني لم اكن اعلم سرها ! قالت:
( المنطقة هذه، ارض بكر، والقانون يحرم تغيير معالم الطبيعة الجغرافية فيها. وانت بتغيرك موضع الصخرة، قد شوهت معالم الطبيعة، فلو ان البوليس كان قد رآك لكان سجل عليك دعوى قضائية كونك خرقت القانون.)

اقف هنا عن الكتابة عند هذا الحد، لأؤكد للقارئ النبيه بان الأحداث التي اسردها، ماهي الاّ قصص واقعية، عاصرتها بنفسي، سواء ما جرى لي من سجال مع البروفيسور داخل الجامعة او حديثي مع الصياد في بحر البلطيق او حضوري حفلة التقاعد في الفندق او حواري مع هذه الفتاة حول موضع الصخرة، كلها شواهد حية تعكس طبيعة الشعب الألماني، في شغفه بحفظ النظام وحرصه البالغ على اطاعة القانون و انضوائه بفخر تحت لواء عرش الدستور. فالشعب الالماني يقدس القانون، علما ان بعض القوانين في المانيا قديمة كقدم زمن بسمارك. وهذا هو السر في نجاح هذه الأمة وتفوقها في شتى مجالات الحياة.

دعونا ايها الأخوة ان نحترم قانون بلادنا ونصونه بل و نعتز به. خاصة وان القانون لم يسنه حاكم متجبر، انما سنّه برلمان منتخب من قبل الشعب، فنحن اذا طاوعنا انفسنا على احترام القانون، ارتقينا في سلم التطور الاجتماعي وارتفعنا الى ثقافة امم العالم المتقدم وبالتالي علا شأننا وزاد مقامنا. فصون القانون على مر التاريخ، كان ولا يزال شارة الشرف.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close