الدورة الأربعين لمجلس حقوق الإنسان … خيبة أمل!

ساهر عريبي

[email protected]

انطلقت في مدينة جنيف السويسرية الإثنين 25 فبراير أعمال الدورة الأربعين لمجلس حقوق الإنسان التابع لهيئة الأمم المتحدة وتتواصل حتى 22 من شهر مارس المقبل وبحضور ممثلي الدول الأعضاء في المنظمة الدولية وبمشاركة عشرات المنظمات الحقوقية المعنية برصد انتهاكات حقوق الإنسان في مختلف دول العالم.

وتتولى المنظمات الحقوقية سرد الإنتهاكات التي ترتكبها الحكومات ضد المواطنين والمقيمين , عبر المداخلات الشفهية خلال جلسات الحوار اليومية التي تناقش الإنتهاكات المندرجة تحت البند الخاص بها من ضمن 10 بنود ومنها البند السادس الذي يناقش آلية الإستعراض الدولي الشامل لسجل الدول التي يتم استعراض سجلها الحقوقي.

كما وتشكل هذه الدورات فرصة للمنظمات الحقوقية التي تتتمتع بالصفة الإستشارية التي يمنحها المجلس الاقتصادي والإجتماعي التابع لهيئة الأمم المتحدة , تشكل فرصة لعقد الندوات الموازية التي تتناول أوضاع حقوق الإنسان في الدول المعنية بها. ويجري ممثلوا المنظمات الحقوقية لقاءات مع ممثلي بعض الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان والبالغة 47 دولة بهدف تعريف تلك الدول بأوضاع حقوق الإنسان في ظل الأنظمة القمعية.

ولذا فإن دورات مجلس حقوق الإنسان التي تنعقد ثلاث مرات كل عام, تشكل فرصة ذهبية للمنظمات الحقوقية القطرية والدولية لتوجيه أنظار المجتمع الدولي نحو الإنتهاكات الجسيمة للحقوق الجارية في عدد كبير من الدول في انحاء المعمورة وخاصة في منطقة الشرق الأوسط ووضع المجتمع الدولي امام مسؤولياته لمعالجة تلك الإنتهاكات ومعاقبة مرتكبيها. وتتولى المفوضية الأممية السامية لحقوق الإنسان تنسيق الجهود مع المجلس لمراقبة الأوضاع وتعزيز حقوق الإنسان.

وعلى جانب آخر فإن التدهور المتسارع لأوضاع حقوق الإنسان في العديد من الدول استدعى تطلّع المنظمات الحقوقية نحو ممارسة مجلس حقوق الإنسان لدور أكبر للتصدي لهذا التراجع الكبير الذي لم يشهده العالم منذ تسعينات القرن الماضي. وتبدو تداعيات الحرب على اليمن اكبر تحد يواجه المجتمع الدولي بعد ان وضعت تلك الحرب اليمن على حافة المجاعة مع انتشار الأوبئة وتدمير البنى التحتية مع قرب دخول الحرب على اليمن عامها الرابع.

لكن الرياح جرت على عكس ما تشتهي سفن الضحايا والمنظمات الحقوقية القطرية والدولية منذ أن أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية إنسحابها من عضوية المجلس في العام الماضي وبعد ان أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدم إعطاءها أولوية لموضوع حقوق الإنسان , بل إعطاء الأولوية للمصالح الاقتصادية وكما حصل بشكل جلي خلال قضية تصفية الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول في شهر اوكتوبر الماضي.

ومع إفتتاح هذه الدورة التي شارك في جلستها الإفتتاحية الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش ورئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة, وعدد من مسوؤلي الدول ومن بينهم وزير خارجية النروج ووزير خارجية قطر, فقد ظهر جليا بان المجتمع الدولي قد دخل في مرحلة جديدة يبدو وللأسف ان اهم معالمها هو تراجع الاهتمام بالملفات الحقوقية. وقد ظهرت ملامح ذلك في الكلمة الإفتتاحية التي القتها المفوضة الأممية السامية لحقوق الإنسان ميشيلا باشليه والتي خلت من ذكر إنتهاكات حقوق الإنسان في بعض الدول وكما جرت عليه العادة سابقا, لكن باشليه ألقت كلمة تنظيرية وكأن المجتمع الدولي لازال في مرحلة التنظير لحقوق الإنسان بالرغم من مرور سبعة عقود على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

فيما ولّدت الإجراءات الجديدة للمجلس والخاصة بنشاط المنظمات الحقوقية صدمة لتلك المنظمات , إذ تم تقليص عدد المداخلات التي تشارك فيها كل منظمة تتمتع بالصفة الإستشارية الى 5 مداخلات بعد ان كانت 12 وعدد الندوات الموازية الى إثنين بعد ان كانت أربع. وقد أثارت هذه الإجراءات غضب المنظمات الحقوقية التي كانت تأمل في مضاعفة النشاط الحقوقي وليس تقليصه في ظل حالة التردي الجسيم في أوضاع حقوق الإنسان في العالم.

إن هذا المنحى الجديد للمجلس يعتبره حقوقيون تشجيعا للحكومات القمعية لإرتكاب المزيد من الإنتهاكات , فالمجلس وبالرغم من أن قرارته ليس لها صفة الإلزامية بل إنها استشارية ولاتخرج عن إطار التوصيات, فإنه بصدد تقليص دوره حتى على صعيد كونه منبرا لايصال صوات المنتهكة حقوق في شتى أرجاء المعمورة.

إلا ان المجتمع الدولي يبدو أنه لم يعد يطيق سماع آهات المعذبين في السجون أو أولئك الذين يخشون التعبير عن آراءهم أو انتقاد سياسات حكوماتهم أو النسوة اللائي يطالبن بحقوقهن أو العمال المنتهكة حقوقهم أو الأحزاب المعارضة المحظور عملها او المدافعون عن حقوق الإنسان الممنوعون من ممارسة مهاهم او المسقطة جنسياتهم والقائمة تطول.

فهذا المجتمع بات يرقص اليوم طربا لعقود بيع الأسلحة والإتفاقيات الاقتصادية والنفوذ السياسي والعسكري ولا بأس ان تداس حقوق الإنسان الأساسية بإنتظار تشييع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الى مثواه الأخير في أروقة الأمم المتحدة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close