حب .. واشتعالات صوفية بنورانيات مشرقة : قصة قصيرة

بقلم مهدي قاسم

في
تقدمه مشيا عند محاذاة النهر أحس و كأن حضور حبيبته غير المرئي هو الآخر يسير معه جنبا إلى جنب ، ليلامسه بهيئة موجة دافئة و لينة تارة أو على شكل نسمة عابرة و عذبة مرة أخرى ، و حينا مثل فراشة تحط على كتفه بأجنحة زاهية و نابضة ، و قبل هذا كانت بحضورها الارستقراطي
الأنيق قد استوطنت بين ثنايا أفكاره لتملأ كل لحظاته تفكيرا بها بمشاعر حب زاخرة و عارمة تقطر بلا انقطاع بعذوبة بلورية إلى قلبه الظامئ دوما إلى قربها الدافيء ، و يخوض معها حوارا غامضا يجّسد حيرته ، كأنها جالسة قبالته مستمعة إليه بانتباه و جدية ، بينما هي تبدو
كأنما من زئبق عصي على الإمساك حينا آخر . فبقدر ما كانت تبدو له قريبة تحدوه رغبة قوية ليداعب أصابعها أو خصلات شعرها كانت تلوح فجأة و كأنها في أقصى العالم على شكل ضباب أو بقايا نيزك تختبئ خلف غيمة بعيدة .آنذاك كان يقتحمه شيء من قلق راميا إياه في دوامة ضياع و
حيرة من أمرها ، كل ما كانت تقول له هو عبارة مقتضبة ـ

ــ أن الحب يحتاج إلى صبر طويل ليستوى و ينضح .. لو كنا
نريد أن يدوم طويلا فعلا !.

ففكر أنها تود أن تعلّمه التربية العاطفية و تهذيب المشاعر
الجياشة و تشذيب الأحاسيس الفياضة والمفرطة ، ربما بسبب اندفاعه الحار دوما ، دون أن تعلم أو تلاحظ أن ما يحسه و يشعره إزاءها هو شيء أكبر و أعمق من أن يكون مجرد عاطفة عابرة ، ستتلاشى و تنطفئ مع أول تلاحم حميم، لا قطعا ، أنه شعور بهي و نقي يتجاوز حتى مفهوم الحب
نفسه نحو اشتعالات صوفية مبهرة لاتني تتجدد يوما بعد يوم بعنفوان أكثر حميمية واشتياقا شبيها بظمأ دائم لا يعرف الارتواء .

ـــ ولكن ما هو الحب الحقيقي ؟

سأل نفسه ، ولكن بصوت عال ، فما كانت دهشته عندما أجابه
رجل رحّال أشبه بناسك جواب حين رد عليه بنبرة لطيفة و اسارير مبتسمة :

ــ الحب الحقيقي هو عبارة عن حب بلا أنانية و أن تشعر
و كأن الحبيبة جزءك الآخر و المكمل ، الذي يجب أن تسعى إلى إسعادها قبل أن تجعل نفسك سعيدا ، و أن تمنحها أكثر مما تمنح نفسك لأنك بهذا إنما تمنح نفسك الثانية ، و أن تكون صبورا مع فورتها أو نزوتها وراعيا لها في أيامها الصعبة والحرجة ، و أن تشعرها بأمان واطمئنان
تحت جناحك ..

ــ إذن فهذا هو الحب الحقيقي ..

ــ نعم هذا هو ! ..

ــ لكنني الآن هكذا

ــ أمر حسن .. ولكن يجب أن تبقى هكذا إلى ما لا نهاية ،
فهذا النوع من الحب يحتاج إلى رعاية دائمة تماما كبستاني الذي يسقي و يرعى وردته الصغيرة بدون كلل أوممل وهو سعيد بنموها و ازدهارها و أزهارها الجميلة و الفواحة .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close