العقل عند الأنسان، كيف يعمل ؟

* د. رضا العطار

الانسان بطبيعته، هو عمل عقله ومبدأ السببية الذي يسوده، ويميل الى رفض الفوضى فيما يحيط به، ورغبته في اخضاع هذا المحيط لنظام معين مقبول، فهو يعمل على اقامة الحجج والبراهين لتثبيت نظام مخصوص بالانطلاق من مسلمة اولية بتسلسل منطقي، لأثبات صحة فكرة غالبا ما تكون فرضية تنبع من مستوى وعيه وتبلغ المدى الاقصى لانسجام الفكر مع ذاته، بغية ربط الظواهر المختلفة بنظام يعتمد مبدأ السببية. يرتكز على فكرة غير قابلة للنقاش. والتي تكمن وراء جميع الظواهر والقوانين الطبيعية والاجتماعية، التي توحد الروابط بينها.

فالعقل اذن يبتدئ عمله وتنطلق آلية هذا العمل من مجموعة من المسلمات غالبا ما تكون انتقائية. وهي في معظم الحالات ماورائية، تحمل سمات الميتافيزيقية بغض النظر عن ماهيتها، تنطبق على كل الفلسفات والعقائد التي عرفها الانسان عبر مسيرته الحضارية الطويلة على تنوعها واختلافها، وبطبيعة كونها ماورائية (Metaphisique ) اي ماوراء المحسوس. يفترض الارتباط بها ايمانيا سواء أكانت هذه المسلمة هي الله او المادة او ما بينهما او ما خرج عنهما.

العقل يتلقى الواقع الخارجي عبر الحواس، فهي بمثابة المرآة العاكسة، فترتسم خصائص جزيئات هذا الواقع المادي وتتحدد صورة الشئ : حجمه، شكله، صوته، رائحته، مذاقه، وملمسه في الذهن الذي يربط مسألة الادراك بحالة شعورية بصورة فورية.
اما المشاعر فلا تنشأ عن المشاهدات وانما عن مجمل الظروف المترافقة معها اثناء حدوثها – – حيث انه بناء على ما توصل اليه علم النفس البيولوجي، فان المشاعر ترتبط بافرازات بيولوجية طبقا لمبدأ الترابط بين سيلان لعاب الكلب ودق الجرس في تجربة العلامة الروسي بافلوف. .

يمكن ان نستنتج من ذلك ان معرفة الشئ هي تطابق حقيقة المُدرك مع صورته في عقل المدرك، شرطه ان يتم خارج الشعور. فالمعرفة هي ادراك عقلي وليس ما تأتي به المشاعر. اما وعي الشئ فيقاس بدرجات المقارنة بين حقيقة الشيء وصورته العقلية.
وحقيقة الشئ هي جوهره الذي يكمن في ( ما هو ؟ ) اي ان التصور هو افتراض للحقيقة في ذهن المدرك، اما التخيل فهو الصورة الذهنية السابقة للتصور، وهي صورة يغلب على تكونها الحس، اي التي ترتسم من خلال المشاعر، يمكن وصفها بالشعورية.

لا يقبل العقل الظواهر منفردة، او قائمة بذاتها، منفصلة عما حولها – فالترابط والاتصال العمودي والافقي للظاهرة يشكلان المبدا الاولي في الترتيب الذهني لمدركات العقل- – واهم مبادئ آلية عمل العقل في ترتيب الظواهر هو مبدأ السببية. فبعد الصورة الذهنية للشيء المدرك، تبدأ آلية عمل العقل في النظر في سببه، وفي علاقته بالظواهر الاخرى التي تسبقه والتي تنشأ عنه ليرتب معلوماته عموديا، والى ما يرتبط به ليرتب معلوماته افقيا كي يصل الى النسق الفكري المطلوب. ومن هنا تظهر العلاقة بين الصور المنطبعة في العقل وادراك ارتباطها بعضها بالبعض الاخر.

* مقتبس من كتاب الحضارة والانسان لعبد المجيد عبد الملك.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close