مصر ..أفريقيا .. و التنمية المستدامة: معادلة تتبلور …2

د. اكرم هواس

في البداية اود ان اعتذر عن مواصلة الكتابة في هذا الموضوع لتكون سلسلة كما وعدت في المقالة الاولى و كما كنت افعل في مناسبات عديدة سابقة عن مواضيع مشاركاتي في مؤتمرات في مصر و غيرها … سأكتفي بهذه المقالة مؤقتاً لان مصر تتعرض لضغط شديد و مستوى الصراع يزداد شدة و هذا الامر مؤلم لنا جميعا و نتمنى الهدوء و الصفاء و الاستقرار و الأمان….و لكن من الضرورة الإشارة الى ان هذين العاملين اي الضغط الخارجي و الصراع الداخلي يتعارضان مع مفهوم التنمية المستدامة و آليات بنائها و خاصة فيما يتعلق بالإطار العام من حيث كونها فضاء واسعا للتعامل المجتمعي و فعل التأثير و التأثر في مختلف مسارات العلاقات بين الأفراد و المؤسسات و المنظومات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و هكذا الثقافية كذلك…

للتذكير فقط فإنني أوضحت في كلمتي في المؤتمر ان أساس فكرة التنمية المستدامة هي صرخة في وجه نماذج التنمية السابقة و التي أدت جميعها بشكل ما الى زيادة مستوى الفقر و العجز في مجتمعات العالم الثالث رغم كل الأحلام الوردية عن بناء تنمية و رفاه و استقرار .. أساس الصرخة التي اطلقها باحثون من إسكندنافيا كان ضرورة تغير النمط الثقفي المعرفي في المركزية الأوربية في ان ” الحياة هي صراع… و البقاء للأقوى” وفق تفسير نظرية داروين بشكل خدم و شرعن للاستعمار و الهيمنة الغربية على العالم…

بكلام اخر… فان فكرة التنمية المستدامة كانت تستند الى العودة الى مفهوم الحياة ذاتها في التجربة الآسيوية و الافريقية حيث التناغم مع الطبيعة و التعايش بين البشر و الكائنات الاخرى و توسيع هذا المفهوم في الفضاء الثقافي العام حيث ينتشر احترام الاخر و حقوقه و احترام الطبيعة و بالتالي ضمان ديمومة الحياة التي تعرضت الى تهديد جوهري نتيجة التجربة الاستعمارية و استغلال الموارد و تلويث البيئة و انتشار التصحر و قلة الموارد المائية و هكذا..

و ذكرت ايضا في مداخلتي ان الدول الكبرى و غالبيتها غربية لا تلتزم بالتنمية المستدامة … لا في نموذج التنمية المحلية في مجتمعاتها و لا في علاقاتها الاقتصادية مع العالم الثالث .. و عليه فان طرح فكرة التنمية المستدامة في اطار برامج للأمم المتحدة إنما تعكس .. اولا…استغلالا اقتصاديا من خلال اعادة شرعنة تدخل البنك الدولي و صندوق النقد الدولي في اقتصاديات العالم الثالث…و ثانيا… اسغلالا سياسيا من خلال تشجيع العودة الى النموذج الوطني في التنمية و بذلك محاولة التهرب من مسؤولية الدول الغربية و الاستعمارية ازاء نشر الفقر و الدمار في العالم و افراغ الكرة الارضيّة من الموارد و إمكانية ديمومة الحياة في ظل النظريات التي تخرج كل يوم عن انتفاء الحياة و الهروب الى الكواكب الاخرى…

في المرحلة الراهنة و في ظل رئاسة مصر للاتحاد الافريقي فان هناك مؤشرات تظهر بقوة في خلق توجه دولي بزيادة الاستثمار في افريقيا… لا شك بان الاستثمار سيخلق بعض اليات التنمية لكنها لن تتخطى نماذج التنمية العمودية النخبوية في احسن الاحوال خاصة في ظل تزايد الصراع الدولي و الإقليمي على موارد افريقيا (الارض و الهواء و المعادن و إمكانية الحياة بعيدا عن التلوث)… كما انه من المستبعد الاعتقاد بان المؤسسات الاقتصادية الدولية الكبرى قد تجاوزت ثقافة المالتوسية و Neo-Maltousianism و ال Neo-Darwinism و تحولت هكذا فجأة الى اتباع مبدأ Egalitarianism الذي يعتبر احد اهم اسس التنمية المستدامة …!!..

هل تستطيع مصر ان تغير هذه المعادلة..؟؟.. نتمنى ذلك طبعا… لكن اعتقد ان هناك ضرورة لتغيير ثقافي محلي في المجتمع المصري و العودة الى روح التسامح التاريخي قبل ان تلوثها الأفكار التكفيرية منذ عقود… للتذكير فقط اود ان أشير الى ان احدى مقالاتي عن مصر في فترة الهيجان الثوري في نوفمبر 2013 كانت بعنوان “الشعب يريد بناء الوطن” http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=388668&r=0

اكرم هواس – الشعب يريد بناء الوطن…
اكرم هواس – الشعب يريد بناء الوطن…
www.m.ahewar.org
و ما زلت اتمنى ان يصبح هذا شعارا و ثقافة لدى الشباب بدلا من نمطيات “الوحش” و “نكسر المسرح” او حتى “نكسر الدنيا” التي تعود الى بقايا ثقافة الغنيمة (تحيات للدكتور محمد عايد الجابري) التقليدية القديمة و لكن ما تزال ما تطرحها العديد من الاعمال الفنية (مع الاحترام لكل الفنانين)… و كأن مقياس النجاح هو غلبة الآخرين ليس الا..!!.. ” هي الدنيا ناقصة تكسير..؟؟..”…

تحياتي و شكري مرة اخرى لوزارة الثقافة و الأعزاء (نساء و رجالا) من الشباب المتحمس في المجلس الأعلى للثقافة و لكل الاحباء في مصر…. حبي للجميع

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close