الحكيم الثائر

لؤي الموسوي

العظيم يكون عظيماً عندما يعز وجوده، والعظماء في الحياة الدُنيا اعدادهم قليلة، لهذا هم عظماء، لو كان من في الدُنيا بمرتبة العظماء لم نستطع ان نميز بين هذا وذاك.. كما هو في المقولة الشهيرة، لو كان الرجل من صلب أبي طالب “عليها السلام” لكان الجميع شجعان.
الثوار؛ طُلاب الحرية وقادة التغيير منتشرون في ارجاء الارض المعمورة، منذ ان خلق الله البشرية واستخلفهم فيها ليعمروها.
لاقى عُشاق الحرية الكثير من العراقيل في مسيرتهم الإصلاحية، كانت مابين سجين رأي ومشرد وقتيل ومودع في غياهب السجون المظلمة.

نتصفح التاريخ ونتناول سجل بعض اسماء الثائرين لاسيما بعد واقعة الطف في كربلاء العراق التي كانت بقيادة سيد الثائرين الإمام الحُسين إبن علي (عليهما السلام)، الذي اتخذه الثوار “دُعاة الحرية” نهجاً ورمزاً يتبعوه في مسيرتهم، بتصديه للحاكم الغاصب يزيد إبن معاوية الذي عمل على تكميم الافواه وتعطيل سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنتهاكه للحرمات وسفكه للدماء، لهذا أنتفض الحُسين إبن علي (عليهما السلام) بثورته الإصلاحية في تصحيح المسار ومكافحة أئمة الجور بتحرير الانسان من العبودية لرجل السلطة الجائرة.
بعد أستشهاد سيد الشهداء(عليه السلام) ايقضت نهضته الضمائر التي كانت نائمة وخائفة من المواجهة، فانطلقت الثورات تلو الاخرى منها ثورة التوابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي ضد الامويين في الكوفة وثورة المختار الثقفي للاخذ بالثأر من قتلة الحسين واهل بيته واصحابه وثورة زيد الشهيد بوجه الحاكم الاموي هشام بن عبدالملك، وواقعة فخ بقيادة الحُسين إبن علي الخير من ذرية الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، واخته زينب بوجه الحاكم العباسي موسى الهادي، واحداثها كانت مطابقة لاحداث واقعة الطف، قُتِل فيها الحُسين ابن علي الخير ومن معه من اهل بيته واصحابه قُرابة المأتين، وتم سبي نسائهم الى مجلس الهادي العباسي من المدينة الى بغداد.. ونظائرها من الثورات بقيادة قادة الفكر دُعاة الحرية، ضد الامويين والعباسيين والعثمانيين والبريطانيين في العراق وغيرها التي امتدت الى تاريخنا المعاصر، حركات بقيادات إسلامية في ليبيا ضد الاحتلال الايطالي بقيادة عمر المختار والجزائر ضد الفرنسيين بقيادة عبدالقادر الجزائري واحمد عرابي وسعد زغلول في مصر، وقادة غير إسلاميين امثال جيفارا في الارجنتين وغاندي في الهند الذين استلهموا الدروس من سيرة الحُسين الثائر (عليه السلام) فثاروا ضد الظلم والاحتلال والطغيان.

الشهيد الثائر محمد باقر الحكيم “قدس سره” إبن الاسلام وحفيد الدوحة النبوية العلوية الهاشمية، تصدى منذ نعومة أظفاره إلى جانب والده الإمام الراحل محسن الحكيم “قدس سره”، للتيارات المنحرفة والدخيلة على المجتمع العراقي، التي كانت متمثلة بالمد الشيوعي والبعث الجائر، كان من المتصدين الأوائل لهذين الفكرين، اللذان اتسعا في الساحة العراقية بنشر افكارهم وممارساتهم البعيدة عن روح الاسلام والمبادئ الإنسانية، فكانت لغتهم السائدة التضليل ونشر الاباطيل في الاوساط العامة، و أستخدامهم لغة العنف وتكميم الافواه والنفي خارج الوطن كل من يقول لا بوجه السلطة يومذاك.
تعرض الشهيد الحكيم لتصديه إلى المضايقات من قِبل سلطة البعث الصدامي، اودع على اثرها في السجون لعدة مرات وحكم عليه بالاعدام، لنشاطه الديني والسياسي الإصلاحي المعارض لسياسة البعث في العراق.

استمد شهيدالمحراب من ثورة جده تلك الروح الكبيرة والعزيمة على التغيير، حمل دمائه على راحة كفيه في مسيرته الاصلاحية، فضحى بالغالي والنفيس فقدم القرابين من اهل بيته وانصاره قرباناً لله وللوطن على مذبح الحرية، من اجل خلاص وطنه الاسير من أيادي السلطة الجائرة، تحمل من الآلآم والمصاعب بالشيء الكثير، شُنت عليه حرب غير متكافئة من قِبل السلطة ووعاضها ومرتزقتها بشتى الطرق وبأساليب رخيصة لنيل منه، لكنها لم تثني من عزيمته واصراره، بل زادته صلابة ورباطة جأش سيما بعد احتدام المواجهة، حيث ساومه النظام بعد ان بعث وفداً يطلب منه ايقاف نشاطه والا سيكون الثمن دماء اهل بيته، اعلن حينها (رضوان الله عليه) كلمته كما اعلنها من قبل جده الإمام الحسين (عليه السلام) في وجه طاغية عصره (الا إن الدعي إبن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة)، احتسب تلك الدماء الزكية عند الله جل وعلا.. استطاع بعد تلك السنين من الصبر والغربة والجهاد بداخل العراق وخارجه متحملاً كل تلك الآلام ان يحقق هدفه المنشود بخلاص بلاده من الظالمين، بصبره وجهاده هدم أئمة الجور وهزمهم في عقر دارهم وكانت بفضل عطاءه و دمائه الزكية التي روت ارض الرافدين، حيث انطوت مسيرة جهاده ولم تنطوي مسيرة عطائه الفكري الذي سيتغذى بها طلاب الحرية والصلاح متخذين منه انموذج يقتدى به في جهادهم الفكري والميداني ضد المستبدين والطامعين.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close