فنون العراق الجميلة، الموسيقى والغناء !

* د. رضا العطار

)اذا ما تفحصنا القيمة الجغرافية لبلاد ما بين النهرين تتبين مدى اهمية ذلك، وتاثيره البعيد في التقدم الموسيقي، اذ تعد الاختلافات بين خصائص الشمال والجنوب والغرب والشرق من العراق، الى جانب مواقع المدن الكبيرة واسماء الانهار العظمى والصغرى وسلاسل الجبال ومواقعها والسهول الفسيحة وامتداداتها، عوامل بالغة الآثر في الألهام الفني على مدى تاريخ الانسان العراقي.

ومن المفيد التعرف على ان المناطق الواطئة لها استخدامات وقوالب نغمية تختلف عن استخدامات المناطق المرتفعة، كما يساعد ذلك على فهم تاريخ موسيقى العراق وما فيها من ثراء وحذق وصناعة، بادراكنا ان بغداد في العصر العباسي كانت اكبر مركز للاشعاع الموسيقي. اذ يستطاع الوصول اليها باستخدام الطرق البرية والنهرية، اقدم ممرات الطرق واكثرها استعمالا. كما يترتب على هذه الحقيقة امكان تفسير الصلة الدائمة بين بغداد والبصرة وهي صلة لا تقتصر على الناحية التجارية بل هي تشتمل كذلك على جوانب فنية وثقافية وفكرية، ولهذا السبب يمكن الوصول الى فهم الدوافع التي حرص عليها الخلفاء في بغداد على دعوة المغنين والعازفين والشعراء في ضيافة بغداد كما اننا نستطيع ان نتعرف على الدافع الذي يقضي في امتلاء بغداد بالموسيقيين والعلماء في الموسيقى وسبب ذهاب كثير من صغار الفنانين العراقيين الى بغداد للدراسة والتحصيل.

والواقع ان المعرفة الواضحة لتقدم الموسيقى والغناء في بغداد لن تتم بدون معرفة الخصائص الجغرافية لهذه المدينة العريقة، ثم بلوغها الذروة في التقدم في العصرين العباسي الاول والثاني وهو تقدم يندر ان نجد مثيلا له في التاريخ، وعليه من يقصد زيارة بغداد ويرى مناظرها الوارفة الهادئة الوديعة واشجار نخلها السامقة وجداولها المائية المنسابة العذبة وسفوح وديانها المنبسطة يستطيع ان يدرك اية مشاعر يمكن ان تتفجر في نفس الفنان، تتلقفه الهامات مبدعة ذات قيمة استثنائية في الادهاش والخلق.

وفيما يتعلق بالصلة بين الموسيقى والحضارة في العراق وبين الفنون الرفيعة والاحوال الاجتماعية ونظم المجتمع في العصور المختلفة يكفي ان نورد بضع ملاحظات عرضية عابرة لتكشف قيمة التلاصق الاجتماعي والثقافي والتربوي بالواقع الموسيقي.
ومن اطلاحات الغناء : الابداع، ان يؤلف المغني اللحن من طبعه لا من غيره – –

ابراج : درجات المرتبة السبع وهي كسلم الواحدة منها تعلو الاخرى غير ان البعد بينهما غير متساو – –
الابيات : قطعة ملحنة على بيتين من الشعر – –
الاتصال : اتصال المغني بآخر ومعارضته باحسن من قوله – –
الاتقان : ان يتفق المغني مع غيره بالازمان – –
الاجتهاد : ان يجتهد المغني عند الفواصل والمقاطع – –
الاجناس اللوني والتاليفي، خرجه من الصدر –
الاختراع : ان يلحن المغني الدور من عدة نغمات – –
الاختلاس : ان تؤخذ النغمة قبل الفراغ من الاولى – –
الادراج : اي مدّاته وليّاته و عطفاته و ونبراته وتعليقاته – –
الارتجال : الغناء بلا مصاحبة ألية – –
هرمونية : تركيب جملة انغام.

لقد نشطت في العراق اتجاهات التحرر من قواعد قديمة ونشطت ملامح الفن الفردي وامتداده الى الفنون الاخرى ومحاولة اقامة نوع من المزاوجة بين الموسيقى وهذه الفنون كما انها ترمي الى التعبير الشاعري المتقن من الناحية العاطفية الى جانب ولعها بالالوان المتنوعة، الصارخة المستعرة وتصدق هذه الخصائص الفياضة على الشعر والتصوير والنحت والدرامي من جانب والموسيقي من جانب اخر، فثمة وشيجة قوية بين ابراهيم الموصلي وبين الشعر وبين السياسة والموسيقى، بين العالم والموسيقى وفيما يتعلق بالاحوال الاجتماعية، كان من الواضح ان الفنون بوصفها من دلائل الترف في الحياة لن تستطع الازدهار الا حيثما يسود الرخاء والرفاه والعافية الاقتصادية، اذ تستقر الاحوال وترتقي دلالات الرؤية الصافية للاشياء ويتم صقل الحضارة وتعاظم نمو الفكر، وقد تركت الخلافة العربية في العراق طابعها الحيوي على المسائل والنواحي الفنية.

لقد برزت الاتجاهات العقلية التي ظهرت ابان خلافة المأمون على الموسيقى، كما ان الرخاء المادي في بغداد قد ترك بصماته الحقيقية على موسيقى نابغيها، لذا وجب القول ان التمعن في قراءة التاريخ وارتباطه بظروف الحياة الطبيعية وبالاحداث الفعلية في التاريخ السياسي والاجتماعي للعراق منذ الفتح الاسلامي حتى سقوط بغداد عام 1258 على يد المغول، هو جوهر التقدم الفني والموسيقي، لان الفن هو المعبر الحقيقي عن احوال الشعب والانسان والزمن، واي تغرب للفن عما يجري على ارض الواقع والمعايير هو في حقيقة الامر نكوص لرسالته الانسانية التي هي المعيار الاصيل عنها وعن ابعادها المتجددة.

* مقتبس من كتاب حضارة العراق لعادل الهاشمي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close