قصة قصيرة بمناسبة يوم المرأة

إجتياز ــ بقلم النصير يوسف أبو الفوز

نص قصصي كتب تحية لرفيقاتي النصيرات البطلات وأرواح الشهيدات الخالدات، اللواتي احببن الحياة وتعلقن بها وتميزن بالشجاعة والريادة والقدرة على التضحية، ورسمن بزهر شبابهن ودمائهن تأريخا متميزا تتعلم منه الأجيال اللاحقة. من كتاب ” تلك القرى.. تلك البنادق” مجموعة قصصية عن تجربة وحياة الأنصار الشيوعيين والكفاح المسلح في كردستان العراق، اربيل ـ وزارة الثقافة في كوردستان العراق 2007. لوحة الغلاف الفنان النصير ستار عناد ” أبو بسام”

***

ـ اليوم!

صباح ربيعي، كل شيء يبدو زاهيا يبعث الانشراح والاحساس بالانتماء. تجول قليلا في ارجاء المقر، تابع تفاصيل الحياة اليومية للوادي الصغير، حيث قرية الأنصار التي شيدوها بسواعدهم لتكون مقرا لهم قاعدة لنشاطاتهم. توقف عند المطبخ الصغير ن المكتظ بأكوام الحطب اليابس، شاكس الخفيرة حول مهارتها في طبخ العدس. حيا حراس السجن، ومر عند فرن الخبز ارتشف مع الخبازين شايا اسود.

ـ اليوم!

من غرفة الاعلام، ومن مجموعة الكتب التي يصر مسؤول مكتب الاعلام على تسميتها “المكتبة” استعار كتاب (سعدي يوسف ـ الاعمال الكاملة). قرب قاعة نوم أنصار فصيل المقر تفرج قليلا على لعبة شطرنج بين نصيرين من أيام وهم في تحد متبادل.

ـ اليوم!

ليس بعيدا عن القنطرة الخشبية الصغيرة، التي ساهم في اجازته الماضية في إعادة تشييدها، استند الى جذع شجرة جوز عملاقة يتهامس مع سعدي بن يوسف: (يكفي ان نتنفس، كي نتفرس في الأفق المفتوح).

ودفعه واحده يجد نفسه يرتمي في نهر جارف، تحمله برفق أمواج وجد متداخله، بين اجفانه تتراقص اقواس قزح، وفي اعماقه ينهض عملاقا، شفيفا كأغاني الأمهات، يزهر في خلاياه عشبا ومطرا و…

ــ اليوم!

ولكن هذا القلق اللعين؟ الارتباك الذي تتسم كل افعاله؟ ترى هل انتبه رفاقه الأنصار الى كل ذلك؟ هل انتبهت النصيرة الخفيرة الى ان تحت الحوارات المرحة، الساخرة، التي تبادلها معها كانت تختبئ نيران القلق. تحرق كل ما اعد من كلام لهذا اليوم، وان كل مهارته في تحضير المفردات قد تتلاشى في لحظة واحدة؟ و…

ـ اليوم!

ان كل شيء صار واضحا، جليا، كرشقة رصاص مذنب في سماء ليل ساكن. الامر لم يعد يحتمل التأجيل. نضج بما فيه الكفاية. ولم يعد يحتمل التأخير. سيبدو مغفلا كبيرا لو مر اليوم مثل البارحة، مثل الأيام التي سبقته. كل هذه الأفعال الصغيرة الدافئة المتداخلة، تجعل الروح محتشدة بالأغاني والازهار والالق. كل هذه الايماءات المتوهجة بالدهشة والاسئلة، التي تخترق القلب برشقات متواصلة من النضارة والفرح، تجعله محتدما في التداعي، يندلع في خلاياه حريق من الهواجس، تتجمع من كل الزوايا، تحاصره، ترميه في مساحة شاسعة من الأضواء الملونة، فتكون في داخله شيئا عذبا، واضحا ومبهما في الوقت نفسه، بهيا كنجمة قصية، وحيدة، مشرقة في السماء، و…

ــ اليوم!

ليس بعيدا عن موقع المشجب جلس بعض الأنصار الجدد، ينظفون أسلحتهم التي استلموها حديثا، اختلط صوت طقطقة المعادن بضحكاتهم المرحة، منذ يومين وهو ينوي تنظيف بندقيته لكنه اجل الامر عدة مرات، و..

ـ اليوم!

لماذا هذا التأجيل؟ لطالما تساءل مع نفسه، فهذا التردد سيفسد كل شيء. لماذا التردد، وهو المعروف بين الأنصار بالجرأة؟ هل هو حالة ضعف مشروعة؟ حتى الخوف حالة مشروعة، فبدون اشواك الخوف لا يمكن جني حلاوة الشجاعة. هكذا علمته الحياة، وهو النصير المتقدم رفاقه دوما في المسير واقتحام مواقع ربايا العدو؟ من ماذا يخاف تحديدا؟ و…

ــ اليوم!

يوميا يجتاز القنطرة عدة مرات بين جانبي المقر، يزور غرفة مكتب قيادة الفوج في شان ما، يدخل قاعة نوم أنصار السرايا، ويراجع الطبيب للفحص الدوري. اليوم يجد في نفسه خشية حتى في الاقتراب من القنطرة. لم يبد له احتيازها عصيا هكذا؟

ــ اليوم!

سار بمحاذاة الساقية التي تخترق المقر كولا كخيط من الفضة، ينشر الطراوة والندى على جنباته. ما ان تحرك قليلا حتى لمح بين الأعشاب بعض الازهار البرية تطل مشرقة، قطف بعض منها، و …

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close